PL-2D8B-7960

الصفحات

  • اتفاقية الاستخدام
  • إخلاء المسؤولية
  • سياسة الخصوصية
  • اتصل بنا
  • من نحن
  • الكاتب

🎨 شكل الهيدر

style
التحكم في المظهر:
غيّر رقم style:
0: الافتراضي (الموجي).
1: الإخباري (أحمر). 2: التقني (أزرق/كحلي). 3: الزجاجي العائم (Tech Glass).
4: الحواف الحادة (Neo-Brutalism).

موقع تتحدث الحروف

  • [mega] روايات
  • [mega] القسم الأدبي
  • [mega] مصطلحات
  • [mega] مقالات
  • [mega] رواية المرأة والثعبان
profile

الكاتب: عايد حبيب جندي الجبلي

كاتب وروائي ومؤسس موقع تحدث الحروف لتقديم جزء من الأعمال الخاصة به.

مؤسس الموقع
style title count _رابط فرعي منسدل __رابط ثانوي __رابط ثانوي __رابط ثانوي _رابط فرعي _رابط فرعي _رابط فرعي رابط عادي رابط عادي رابط عادي

قصة المغترب (الأجزاء الأول إلى الخامس)

بواسطة عايد حبيب جندي الجبلي | يوليو 27, 2026 | لا تعليقات

  حكي قصة المغترب سيرةً واقعية لإنسانٍ خرج من رحم المعاناة، وولد في قريةٍ صغيرة من قرى الريف المصري، حيث كانت الحياة بسيطة، لكنها مليئة بالكفاح والعمل منذ سنوات الطفولة الأولى.

قصة المغترب (الأجزاء الأول إلى الخامس)


الجزء الأول من قصة حياة مغترب

بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي

جئت إلى الدنيا من رحم أمي في تلك القرية الصغيرة، وهناك بدأت أولى خطوات حياتي. ترعرعت فيها دون أن أملك حق اختيار مصيري، فقد كُتب عليَّ الشقاء منذ نعومة أظفاري، وأصبحت تفاصيل حياتي تُنسج بخيوط التعب والكفاح.

وحين بلغت الحادية عشرة من عمري، لم تكن المدرسة وجهتي كما كان حال أقراني، بل كان الحقل هو مدرستي الأولى. أرافق والدي في أعمال الزراعة، أساعده بما أستطيع، وأحمل الطعام من المنزل إلى الحقل. وبدلًا من أن ألتحق بالكُتَّاب لأتعلم القراءة والكتابة، التحقت بأرضٍ لا تعرف سوى العرق والتعب.

وبدلًا من أن ألهو مع الأطفال وأعيش براءة الطفولة، كنت أقضي نهاري بين الزرع، أعمل تحت أشعة الشمس الحارقة، وسط نبات الذرة العالية التي كانت أوراقها الحادة تجرح الرقبة والذراعين كأنها شفرات حادة. وكان الغبار يلتصق بالعرق، فيدخل إلى الجروح الصغيرة، فتشتعل ألماً، وكأن أحدًا نثر عليها فلفلًا حارًا. كان ذلك الإحساس قاسيًا، خاصةً على طفل لم يعرف بعد معنى الشقاء، ولم يتذوق مرارة الكفاح في بداية عمره.

كنت أنظر إلى الأطفال وهم يذهبون إلى مدارسهم، يضحكون ويلعبون، بينما كنت أقود جاموستنا عائدًا بها من الحقل. كانت جاموسة ضخمة، تبدو كأنها وحش كاسر، ومع ذلك كان يقودها طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره. كانت شرسة مع الغرباء، تنطح كل من يقترب منها، لكنها كانت أليفة معي؛ لأنني كنت أطعمها وأرعاها كل يوم، حتى ألفتني وأصبحت هادئة بين يدي.

وكانت أمي تحلبها صباحًا ومساءً، فنشرب من لبنها، ونصنع منه الجبن والسمن، وكانت تلك هي حياتنا اليومية، ولم تكن أسرتنا وحدها تعيش على هذا النمط، بل كانت القرية بأكملها تعتمد على الزراعة وتربية الماشية.

في عام 1955 كانت حياة القرية بسيطة، يسودها الاكتفاء والقناعة. كانت الأرض مصدر الرزق، والمحصول الزراعي يسد جوع الجميع، فلم يكن الناس يهتمون ببناء القصور، أو اقتناء السيارات الفاخرة، أو التفاخر بالمظاهر. كانوا متساوين في معيشتهم، لا تعرف قلوبهم الحسد، ولا تسكنها الغيرة.

كانت المحبة تجمعهم، والتعاون يربط بينهم، وتحكمهم العادات الأصيلة، والقيم النبيلة، وواجب المعروف، وكلمة «العيب» التي كانت قانونًا أخلاقيًا يحترمه الجميع. فمن يخطئ في حق جاره أو أحد أبناء القرية، يجد من يرده إلى الصواب، ويذكره بما تربى عليه من أخلاق.

لكن تلك القيم بدأت تتلاشى مع مرور الزمن، ومع انفتاح البلاد ودخول الغرباء إلى القرية، واختلاط الناس بثقافات مختلفة. لم يعد أبناء القرية يعرف بعضهم بعضًا كما كانوا في الماضي، واختفى مفهوم «العيب» الذي كان يردع الجميع عن الخطأ.

تغيرت المظاهر، وتبدلت الأخلاق، وأصبح كثير من الشباب يلهثون خلف الموضة، وتراجعت هيبة الكبار، وانتشرت الفوضى الأخلاقية، وضعف الاحترام الذي كان يومًا من ركائز المجتمع الريفي.

ومع ارتفاع أسعار الأراضي بعد الانفتاح الاقتصادي، باع كثير من الأهالي أراضيهم الزراعية، واشتروا السيارات الحديثة، ظنًا منهم أن الثراء أصبح في المظاهر، لا في الأرض التي كانت يومًا مصدر رزقهم وأمانهم.

وهكذا تقلصت الرقعة الزراعية عامًا بعد عام، حتى أصبحت القرية التي كانت تشتهر بخضرتها، قد يأتي عليها يوم لا تجد فيه أرضًا تزرع حتى حقلًا صغيرًا من الجرجير.

هذه نبذة من قصة «حياة مغترب»، وسأواصل في الأجزاء القادمة سرد رحلة البطل، وما عاشه من أحداث، وكيف كانت حياته اليومية، وما الذي واجهه في غربته الطويلة، وما تركته تلك السنوات من آثار في نفسه وحياته.




الجزء الثاني من قصة المغترب

بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي

في هذا الجزء نعود إلى ما قبل الغربة، قبل أن يرحل البطل عن وطنه، وقبل أن تبدأ رحلة المعاناة التي سترافقه سنوات طويلة بعيدًا عن أرضه وأهله. فما زال يعيش في وطنه الأم، بين أحضان والديه، في إحدى قرى الريف المصري، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، قبل الانفتاح الاقتصادي، وقبل أن تتغير ملامح الحياة، حين كان الجنيه المصري يحتفظ بقيمته، وكانت البساطة عنوان الحياة.

كان الطفل يواصل مسيرته وسط الشقاء الذي فرضته عليه الظروف منذ سنواته الأولى، قبل أن يشتد عوده، وقبل أن يكتمل نضجه الفكري، وقبل أن يمتلك القدرة على الاختيار بين القبول والرفض. كان طفلًا بريئًا، لكنه حمل هموم الرجال في سنٍ لا تعرف إلا اللعب والبراءة.

ظل يعمل في الحقول، يرعى الجاموسة، ويساعد والده في الزراعة، حتى رأى والداه أن يتعلم صنعة تكون خيرًا له من البقاء في الأرض، فأرسلاه إلى معلم بناء ليتعلم مهنة البناء.

بدأ مشواره عاملًا بسيطًا، يحمل أدوات البنائين، ويتعلم أصول المهنة بصبر واجتهاد، حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، وقد أصبح صانعًا يعتمد على نفسه. بدأ يأخذ الأعمال لحسابه الخاص، وأصبح ينفق على أسرته، ويساعد والديه في مصاريف المنزل، رغم أنه كان لا يزال في مقتبل شبابه.

لقد أصبح رجلًا قبل أن يكتمل شبابه، وتحمل مسؤولية البيت قبل أن يعيش أيام الصبا التي يحلم بها كل شاب.

استمرت حياته في وطنه تسير على وتيرة واحدة؛ يعمل من أجل قوت يومه، ولا يفكر في ادخار المال أو بناء مستقبل لنفسه. كان كل همه أن يوفر احتياجات أسرته، وأن يخفف عن والديه قسوة الحياة.

لم يعرف الرحلات، ولا التنزه، ولا اللهو الذي كان يعيشه بعض أبناء جيله. كانت حياته تبدأ مع شروق الشمس في العمل، وتنتهي مع غروبها بالعودة إلى المنزل، يتناول طعامه ثم يخلد إلى النوم، ليبدأ في اليوم التالي الرحلة نفسها، وكأن الأيام نسخ متطابقة لا يميز إحداها عن الأخرى.

وكان كثيرًا ما يجلس وحيدًا، مثقلًا بالهموم، لا يتحدث إلى أحد، فقد حمل من أعباء الحياة ما يفوق سنه. لم يعرف طفولة حقيقية، ولم ينل نصيبًا من التعليم، لأن الفقر كان رفيقه الدائم، لا يفارقه، ولا يسمح له أن يختار طريقًا آخر.

وكان يتساءل بينه وبين نفسه: هل سأبقى هكذا طوال حياتي؟

هل سيكون الغد نسخةً من اليوم؟

وهل تحمل الأيام القادمة أملًا جديدًا، أم أنني سأظل أسير هذه الحياة التي لا تتغير؟

لم يكن يرى أمامه سوى طريق واحد؛ العمل من أجل لقمة العيش. فلا فرص جديدة، ولا أبواب تفتح نحو مستقبل أفضل، ولا أحلام يستطيع تحقيقها في قرية يعتمد أهلها على أعمال محدودة لا تكاد تكفيهم لسد احتياجاتهم اليومية.

وفي إحدى الليالي، وبينما كان غارقًا في التفكير، راوده سؤال لم يفارقه:

لماذا أصبحنا فقراء إلى هذا الحد؟

اقترب من والده وسأله:

يا أبي... لماذا أصبح حالنا هكذا؟

تنهد الأب طويلًا، ثم قال:

يا بُني، كان جدنا الثالث يزرع ألف فدان من الأرض، وكان يترك من محصوله ما يكفي لتقاوي العام القادم.

ولعل بعض الناس لا يعرفون معنى «التقاوي»؛ وهي البذور التي يحتفظ بها الفلاح من محصوله ليزرع بها أرضه في الموسم التالي، فلا يحتاج إلى شرائها.

أكمل الأب حديثه وقال:

كان جدك يبيع جزءًا من المحصول، ويحتفظ بالباقي، حتى أصبح الناس يقولون عنه: يتقاوى الألف فدان من بيته.

وقف الابن مدهوشًا، ثم قال:

إذا كان الأمر كذلك... فكيف أصبحنا على هذه الحال؟

نظر إليه والده وقال بهدوء:

ستعرف في الوقت المناسب لماذا حدث كل هذا.

ثم دخل إلى المنزل، وترك ابنه غارقًا في دوامة من الأسئلة.

جلس الشاب يفكر طويلًا، وقد ازدادت حيرته. كان قبل هذه اللحظة راضيًا بما قسمه الله له، أما الآن فقد أصبح يحمل همًا جديدًا، بعدما علم أن أسرته كانت يومًا من أصحاب الأراضي الواسعة. وأخذ يحدث نفسه:

من الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟ ومن المسؤول عن ضياع كل تلك الأراضي؟ هل باعها أصحابها؟

أم سُلبت منهم؟

وهل كان للإصلاح الزراعي، أو القوانين التي صدرت في تلك الحقبة، دور فيما جرى؟

كانت أسئلة كثيرة تدور في رأسه، لكنها بقيت بلا إجابة.

ومنذ تلك اللحظة بدأت فكرة البحث عن مستقبل مختلف تتسلل إلى عقله، وبدأ يفكر لأول مرة: هل تكون الغربة هي الطريق الوحيد للخروج من دائرة الفقر؟ لكن الأيام وحدها كانت تملك الإجابة. يتبع في الجزء الثالث...




الجزء الثالث من قصة المغترب

بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي

في هذا الجزء تبدأ لحظة الفراق، وهي من أصعب اللحظات التي مرت في حياتي.

كان موعد رحيلي قد حان، وكنت أستعد لمغادرة أسرتي وقريتي متجهًا إلى الغربة، بحثًا عن لقمة العيش ومستقبل أفضل. لكن أصعب ما واجهته لم يكن السفر، بل وداع والدي.

بحثت عنه لأودعه، فلم أجده. سألت أمي: أين أبي يا أمي؟ فقالت وهي تخفي دموعها:

– يا بني، أبوك لا يريد أن يودعك. هرب من أمامك حتى لا يراك راحلًا، فهو يريد أن تبقى صورتك دائمًا أمام عينيه، ولا يستطيع أن يتحمل لحظة فراقك.

أما أمي، فلم تستطع أن تحبس دموعها، فكانت تبكي بحرقة وهي تودعني.

مضيت في طريقي، وأنا لا أعلم أن تلك اللحظة ستكون آخر عهد لي بوالدي.

ولو كنت أعلم أنني لن أراه بعد ذلك أبدًا، لما فكرت يومًا في السفر، ولما غادرت قريتي مهما كانت قسوة الحياة.

لم أعرف أبي معرفةً حقيقية إلا بعد أن كبرت قليلًا. فمنذ أن بدأت أعي الدنيا وأنا في الحادية عشرة من عمري، وحتى بلغت الثامنة عشرة، لم أعش معه سوى سبع سنوات فقط، كانت أجمل سنوات عمري، لكنها كانت قصيرة جدًا.

غادرت القرية، وغادرني أبي دون وداع، ظنًا منه أنه إن لم يرني وأنا أرحل فسأبقى حاضرًا في خياله، ولم يعلم أنه هو الذي بقي حاضرًا في قلبي وخاطري طوال سنوات الغربة، وحتى هذه اللحظة.

خرجت من قريتي، وتركت خلفي أمي، ووالدي، وإخوتي، وجيراني، وكل الذكريات التي عشتها بين شوارع القرية وحقولها.

تركت الأرض التي شهدت طفولتي، وتركت البيت الذي كبرت بين جدرانه، وتركت القرية بما فيها من قيم، وعادات، وأخلاق، وبساطة أهل الريف.

كنت أحلم أن تكون الغربة رحلة قصيرة، أجمع فيها المال، ثم أعود لأبني بيتًا، وأتزوج، وأعيش بجوار أسرتي.

لكنني لم أكن أعلم أن حلمي الصغير سيصبح بداية رحلة طويلة من الحرمان، وأن الغربة ستأخذ مني أكثر مما ستمنحني.

غادرت قريتي إلى المحافظة، ومنها إلى العاصمة، ثم ركبت الحافلة المتجهة إلى الدولة التي سأغترب فيها.

كانت تلك أول مرة أركب فيها حافلة تسافر مسافات طويلة. لم أكن أعرف الطرق، ولا المدن التي نعبرها، ولا إلى أين نمضي. كانت عيناي تتأملان كل شيء، وكأنني أرى الدنيا لأول مرة.

أما قبل ذلك، فلم أكن أعرف من وسائل المواصلات إلا السيارات التي تنقلنا بين القرية ومركز المحافظة.

سرنا طوال الليل، حتى أشرقت شمس اليوم التالي. وفي نحو الساعة الرابعة عصرًا توقفت الحافلة، ونادى السائق على الركاب الذين سينزلون في تلك المحافظة.

كنت قد أخبرته منذ بداية الرحلة باسم المحافظة التي أقصدها، فلم ينسني. وقف ينادي: فين الولد اللي رايح المحافظة الفلانية؟ فقلت بسرعة: أنا... أنا هنا. نزلت من الحافلة، والتفت حولي، فلم أعرف شيئًا.

كانت الطرق غريبة، والوجوه غريبة، ولم أدرِ كيف أصل إلى عنوان الرجل الذي سأقيم عنده.

كان العنوان قد أرسله لي في شريط كاسيت بصوته، ولم يكتبه على ورقة.

سألني السائق: تعرف تروح إزاي؟ قلت له  لا... والعنوان عندي محفوظ من الشريط فقط.

طلب مني أن أذكر له الاسم، فذكرته.

هز رأسه، ثم أمسك بيدي، بينما كنت أحمل حقيبتين ثقيلتين، وسار بي حتى وصل إلى موقف سيارات يقل السائقون منه إلى الدولة التي أقصدها.

اقترب من مجموعة من السائقين وقال لهم: السلام عليكم. فردوا جميعًا: وعليكم السلام ورحمة الله.

ثم قال لهم: هذا الشاب يريد الذهاب إلى المكان الفلاني، أرجو أن تساعدوه.

جزاه الله خيرًا، فقد عاملني كأنني أحد أبنائه، ولم يتركني وحدي في مكان لا أعرفه.

ولا يزال موقفه الإنساني محفورًا في ذاكرتي منذ عام 1991، ولن أنساه ما حييت.

ركبت مع أحد السائقين العرب، وجلست في السيارة من الخامسة مساءً حتى السادسة، ننتظر اكتمال عدد الركاب.

ولما لم تكتمل السيارة، طلب مني أن أنزل.

لكن لهجته كانت مختلفة، فلم أفهم ما يقوله، وظننت أنه يطردني.

فغضبت وقلت له بلهجتي الصعيدية:

– مالك متعصب عليَّ؟

ابتسم الرجل، ثم أدرك أنني حديث الوصول، فقال لي بلهجة مصرية مكسرة:

– أنت أول مرة تيجي هنا؟ قلت: نعم.

فأخذني بنفسه إلى سيارة أخرى، وقال للسائق:

– انتبه لهذا الشاب، فهو أول مرة يأتي إلى هنا، وأوصله إلى المكان الذي يريده.

جلست في السيارة الثانية حتى الثامنة مساءً، لكنها أيضًا لم تكتمل. فنقلني السائق إلى سيارة ثالثة.

وفي تلك المرة اكتمل عدد الركاب، وتحركنا نحو وجهتنا. وصلنا قرابة الساعة العاشرة ليلًا إلى مكان لم أكن أعرفه.

أوقف السائق السيارة أمام مجموعة من المصريين، ثم قال: انزل... لقد وصلنا. سألته: هل هذا هو المكان المعروف باسم نادي دَرَنْس؟

قال: نعم. نزلت، ووضعت حقائبي بجوارهم، ثم انصرف. نظر إليَّ أحد الرجال، وعرفت فيما بعد أن اسمه كرم، وكان اسمه يوافق أخلاقه. قال لي: جئت عند مَن؟ ومن الشخص الذي ستقيم عنده؟ أخبرته بالاسم، ثم قلت له:  أنا متعب جدًا، وأريد أن أنام.

فقال: تفضل... سأفرش لك مكانًا ترتاح فيه. ثم سألني: هل تناولت العشاء؟ قلت: لا. فأحضر لي كوبًا من الحليب وبعض الطعام، فأكلت، ثم نمت من شدة التعب.

وفي صباح اليوم التالي، أوقف لي سيارة أجرة، وأوصلني إلى نادي دَرَنْس، وهناك التقيت أحد أقاربي، وبعد أن اطمأن عليَّ، تركني ومضى.

وهكذا بدأت أولى خطوات الغربة، رحلة لم أكن أعلم أنها ستحمل في طياتها من التعب الجسدي والنفسي ما يفوق كل ما عرفته من قبل.

وإلى اللقاء في الجزء الرابع، حيث تبدأ فصول الحياة الحقيقية في الغربة، بما فيها من كفاح، وتحديات، ومواقف لا تُنسى.


الجزء الرابع من قصة المغترب

استقبلني أحد أبناء قريتي، وأخذني إلى المكان الذي سأقيم فيه. وكان يُطلق على ذلك المكان في تلك الدولة اسم الحوش، وهو مجمع يضم غرفًا صغيرة يسكنها العمال المصريون.

دخلت الحوش، فإذا بالغرف متجاورة، وسقوفها من صفائح الزنك، وقد طُليت بمادة عازلة لتخفف من تسرب مياه الأمطار في فصل الشتاء، لكنها لم تكن تقي من حرارة الصيف. وكانت الحرارة داخل الغرفة لا تُطاق، وكأنها فرن مشتعل، خاصة أنني وصلت في شهر يوليو من عام 1991، في ذروة الصيف.

نظرت إلى الغرفة، ثم قلت لابن قريتي: هل هذه هي الغرفة التي سنقيم فيها؟

ابتسم وقال:  نعم، هذه هي حياتنا في الغربة. فقلت بحسرة:

– يا لها من حياة! والله إن الجلوس تحت أكوام حطب الذرة في قريتنا أهون من العيش في هذه الغرفة.

فقال لي: وهل أمامنا خيار آخر؟

شعرت وكأنه يقول لي: إن أعجبتك فأهلًا بها، وإن لم تعجبك فابحث عن غيرها.

صمتُّ، وجلست أفكر في والديَّ اللذين تركتهما خلفي، ولا معيل لهما سواي.

خرج ابن قريتي ليحضر الطعام، ثم عاد بعد قليل وقال:

– أكيد أنت جائع، فقد قضينا اليوم كله في السوق نبحث عن عمل، وأنت تنتظرني.

قلت له:  لا بأس، الحمد لله. أحضر وجبة بسيطة تتكون من التونة، والبصل، والطماطم، والخبز.

تناولت طعامي، ثم وضعت رأسي على الوسادة، وغلبني النوم من شدة الإرهاق، فقد كانت رحلة السفر طويلة ومرهقة، ولم أنم خلالها إلا مرتين؛ مرة عند الرجل الطيب "كرم" الذي استقبلني عند وصولي، ومرة في تلك الغرفة المتواضعة.

وفي صباح اليوم التالي أيقظني ابن قريتي وقال:

– قم، فأنت لم تأتِ إلى هنا لتنام. قلت له: إلى أين سنذهب؟ قال:

– إلى الدرويزة. وكان هذا هو المكان الذي يجتمع فيه العمال في انتظار المقاولين وأصحاب العمل.

ذهبت معه، وهناك رأيت مشهدًا لن أنساه ما حييت.

رأيت كل صاحب مهنة يجلس إلى جوار أدواته، ينتظر من يأتي ليطلب عمله، تمامًا كما يجلس البائع في السوق يعرض بضاعته في انتظار المشتري.

وقفت أتأمل وجوه المصريين، وكل واحد منهم يحمل أدوات مهنته أمامه، ينتظر رزقه.

كان المشهد مؤلمًا.

فالنجار، والبناء، والسباك، والكهربائي... جميعهم يجلسون في صفوف طويلة، ينتظرون من يختارهم للعمل.

أما أكثر ما أحزنني، فهو عندما كانت سيارات المواطنين تتوقف، فيهرع العمال إليها، ويتسابقون ويتجادلون، وكل واحد يريد أن يكون هو من يركب السيارة ويحصل على فرصة العمل.

في تلك اللحظة شعرت أن كرامتي قد انكسرت. حملت أدواتي، وانسحبت بهدوء، وعيناي تمتلئان بالدموع. بكيت كثيرًا، وعدت إلى الحوش، وأنا لا أعرف الطريق إليه إلا بصعوبة.

وفي الطريق سألت أحد المواطنين عن سكن المصريين، فدلني عليه، حتى وصلت وجلست في ساحة الحوش أنتظر عودة ابن قريتي، إذ لم يكن معي مفتاح الغرفة. ولما عاد، نظر إليَّ مستغربًا وقال: أين كنت؟ فحكيت له ما رأيته في الدرويزة، وكيف عدت باكيًا.

فضحك وقال: إذا بقيت حساسًا هكذا فلن تكمل غربتك، وستعود إلى قريتك سريعًا. هذا هو حالنا كل يوم، ولا بد أن تتأقلم معه إذا أردت أن تحقق هدفك وتساعد والديك. سكتُّ طويلًا، ثم قلت له:

– سأتحمل... من أجل أبي وأمي، ومن أجل لقمة العيش، مهما كانت مرة.


الجزء الخامس من قصة المغترب

بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي

هذه قصة واقعية تعود أحداثها إلى عام 1991، تروي معاناة مغتربٍ كُتب عليه الشقاء منذ أن فتحت له الحياة أبوابها، فلم يعرف الراحة يومًا، بل ظل يصارع قسوة الأيام وتقلبات الزمن. إنها حكاية إنسان حمل هموم الغربة على كتفيه، وعاش بين الألم والصبر، حتى أصبحت معاناته شاهدًا حيًا على مرحلة لا تُنسى من حياته.

أكتب لكم هذه القصة بكل صدق وأمانة، دون زيادة أو مبالغة، فلا أضيف إلى أحداثها حرفًا، ولا أغيّر من وقائعها شيئًا. وربما أنسى بعض التفاصيل بفعل مرور السنين، لكنني لا أتعمد إخفاء الحقيقة. ومع ذلك، فقد آثرت أن أتجاوز بعض المواقف التي تمس أشخاصًا بعينهم، احترامًا لهم، وحتى لا أجرح أحدًا أو أثير الضغائن. وأكتفي بأن أترك للقارئ أن يستنتج ما بين السطور، فبعض المواقف لا تحتاج إلى شرح، وإنما تكشفها الأفعال وحدها.

وبعد وفاة والدي، واصلت حياتي العملية في مهنتي، حتى جاءني أحد المواطنين وقال لي:

– أنا أبني مسجدًا، وأريدك أن تتولى بناءه.

فقلت له بكل سرور:

– على الرحب والسعة، فهذا شرف كبير لي، وأسأل الله أن يوفقني لإتمامه على خير وجه.

فقال لي:

– أعلم أنك تختلف عنا في العقيدة، لكن ذلك لا يفرق عندي، فالمهم عندي الأمانة والإتقان.

فقلت له:

– وأنا أتشرف ببناء بيت من بيوت الله، وأعتبر ذلك وسامًا أعتز به.

اتفقنا على قيمة العمل، وبدأت التنفيذ، وكان اسم المسجد مسجد الحسين، في إحدى بلدات المحافظة التي كنت أعمل فيها بمنطقة الساحل الشرقي.

وبعد أشهر قليلة، جاءني شخص آخر، وطلب مني بناء مسجدٍ ثانٍ في منطقة شيحا الشرقية، فحمدت الله أن نلت شرف المساهمة في بناء مسجدين، وكان ذلك من أجمل الأعمال التي قمت بها خلال سنوات غربتي.

واستمرت حياتي على هذا النمط منذ عام 1991 حتى عام 1997، دون أن أعود إلى وطني ولو مرة واحدة. مرت سبع سنوات كاملة، لم تطأ فيها قدماي أرض قريتي.

ومنذ وفاة والدي، لم تكن لدي رغبة في العودة؛ فقد ذبلت أحلامي، وانطفأ شيء كبير في داخلي، ولم يعد يشدني إلى الوطن سوى أمي.

اشتقت إلى حنانها، وإلى دعائها، وإلى حضنها الذي افتقدته طوال سنوات الغربة.

فقررت العودة.

اشتريت الهدايا للأقارب والأهل، وجهزت حقيبتين استعدادًا للسفر، وعدت أسترجع في مخيلتي صور الطفولة، وشوارع القرية، وجدران البيوت، والحقول، والجاموسة التي كانت ترافق طفولتي، وكل الذكريات التي تركتها خلفي منذ سنوات.

واصل ضابط أمن الدولة استجوابي، ثم قال لي:

– لماذا بقيت كل هذه السنوات في الغربة؟ ولماذا لم تنزل إلى وطنك ولو مرة واحدة؟ لقد أمضيت سبع سنوات متواصلة خارج البلاد، فما الهدف من إطالة غربتك، خاصة أنك سافرت في وقت كان يُسمح فيه بالدخول والخروج ببطاقة الهوية دون تعقيدات؟

انهال عليَّ بالأسئلة، أسئلة كثيرة لم أكن مستعدًا لها، ولم تخطر يومًا على بالي، فلم أجد ما أجيب به سوى كلمة واحدة، قلتها بكل صدق:

– من أجل لقمة العيش يا باشا. نظر إليَّ وقال: وهل لقمة العيش تستحق أن تغيب أكثر من ست سنوات؟

ثم تابع حديثه قائلاً: كم كان عمرك عندما غادرت قريتك؟ فأجبته دون تردد، فما زال ذلك التاريخ محفورًا في ذاكرتي: كان عمري ثمانية عشر عامًا. فقال:  كنت ما زلت صغير السن، لا تستحق الغربة في ذلك العمر. كيف سمح لك والداك أن ترحل بعيدًا عنهما؟

فأجبته للمرة الثانية: من أجل لقمة العيش يا باشا. التفت إلى أمين الشرطة وقال: خذه إلى الخارج. خرجت مع أمين الشرطة، وسألته وأنا أرتجف خوفًا: ماذا سيفعلون بي؟ ففي حياتي كلها لم أقف من قبل أمام ضابط أمن دولة. قال لي ببرود:

– لا أعرف. ثم أشار بيده وقال بلهجة حادة: اقعد هنا... ولا أسمع لك صوتًا، ولا تتحرك من مكانك.

زادني كلامه خوفًا وقلقًا، وأصبحت أكثر توترًا، ولم أعد أعرف ماذا ينتظرني. ومرت الساعات بطيئة، حتى شعرت بجوع شديد، فقمت أبحث عن شيء آكله. فصرخ في وجهي أمين الشرطة: ألم أقل لك لا تتحرك من مكانك؟ قلت له: ا رجل... لقد جعت.

فرد بصوت مرتفع: ارجع مكانك، ولا تتحرك.

ظللت على هذه الحال منذ الساعة العاشرة صباحًا حتى الثامنة مساءً، دون طعام أو شراب، حتى نادى أحدهم: أنت... تعال. قلت: نعم  قال:  هيا بنا. سألته: إلى أين؟ فأجاب بكلمة واحدة هزت كياني:  إلى السجن.

كانت صدمة لم أتوقعها، فلم يخبرني أحد بشيء، ولم أعرف سبب ما يحدث. فقلت له:  تمهل قليلًا، دعني أحدث الرجل الذي ينتظرني ومعه حقائبي.

سمح لي، فقلت لابن قريتي: خذ الحقائب معك، ولا تخبر أسرتي أنني في السجن حتى لا تقلق أمي.

أخذ الرجل الحقائب، وعاد بها إلى القرية قبل أن أصل أنا إليها. ولما سأله أحدهم: هل أرسلتها والدته؟

قال:  لا، سأحتفظ بها عندي حتى يعود بنفسه، حتى لا تعلم والدته بما حدث له. ثم مضيت مع أمين الشرطة، وأُودعت السجن.

وفي صباح اليوم التالي، حضر أمين شرطة آخر، ونادى باسمي. قلت: نعم، أنا هنا. قال: هيا بنا.

خرجت معه، ومن شدة خوفي لم أجرؤ حتى على سؤاله إلى أين نحن ذاهبون.

كان يمسك بيدي، وكأنني مجرم خطير، أو سارق، أو صاحب جريمة، لا إنسانًا اغترب سنوات طويلة من أجل لقمة العيش وتحسين وضعه المادي.

لم يعلم أحد منهم أنني كنت آكل خبزي من عرق جبيني، ولم أعتمد يومًا على مال حرام أو على أحد.

كنت أمشي مطأطئ الرأس، أشعر بالخجل من نظرات الناس في الطريق، وكأنهم ينظرون إلى متهم أو مشبوه.

تنقلت بين أكثر من قسم، حتى تم ترحيلي إلى محافظتي.

استغرقت الرحلة من الجمارك إلى محافظتي أربعة أيام، ثم بقيت خمسة أيام أخرى رهن الاحتجاز.

وخلال تلك الأيام، علمت أمي أنني موجود في مركز الشرطة، فجاء بعض أقاربي من القرية إلى المركز، وظلوا طوال اليوم يرجون المسؤولين أن يفرجوا عني. لكن أحد أمناء الشرطة خرج إليهم وقال: لا بد أن يُعرض على أمن الدولة أولًا.

عادوا إلى أمي وقد فقدوا الأمل، وأخبروها بكل ما رأوه وسمعوه. وفي صباح اليوم الرابع، نادى أحدهم باسمي.

قلت: نعم، أنا هنا. اصطحبني رجل كبير في السن، وقال لي: هيا بنا إلى أمن الدولة.

ذهبنا، لكننا وجدنا أن الأوراق الرسمية الخاصة بي لم تصل بعد، وكان ذلك يوم الخميس، فعدنا مرة أخرى.

وفي طريق العودة، نظر إليَّ الرجل الكبير وقال:

– ما رأيك أن أرسلك إلى أمك حتى تراها، ثم آتي إليك في السادسة مساءً وأعيدك إلى المركز؟ كانت كلماته بالنسبة لي كأنها حكم بالعفو بعد انتظار حكم بالإعدام. فرحت فرحًا شديدًا، وشكرته من أعماق قلبي. ذهب بي إلى منزل أمي. وما إن رأتني حتى احتضنتني وبكت، وبكيت معها طويلًا. ثم قال الرجل:  سأعود في السادسة مساءً لأصطحبك إلى المركز. وانصرف.

امتلأ البيت بالأهل والجيران يهنئون أمي بعودتي، ولو لساعات قليلة.

وحين جاءت الساعة السادسة، أوفى الرجل بوعده، وأعادني إلى المركز، فقضيت ليلة الجمعة هناك.

وفي صباح اليوم التالي، ذهبنا مرة أخرى إلى أمن الدولة، ثم عدنا إلى المركز.

وفي نهاية اليوم، سمحوا لي بالعودة إلى منزل أمي.

جلست أتأمل بيتنا، وجدرانه، وشوارع القرية التي تغيرت كثيرًا، وأخذت أقارن بين الماضي والحاضر، وبين سنوات الغربة وما تركته في نفسي من وجع وحنين. وإلى اللقاء في الجزء السادس، حيث أروي لكم ما حدث لي بعد عودتي إلى القرية.

 قصة المغترب (الأجزاء الأول إلى الخامس)

تُعد قصة المغترب سيرةً واقعية توثق رحلة إنسانٍ بسيط بدأ حياته في بيئة ريفية فقيرة، ثم دفعته ظروف الحياة إلى الغربة بحثًا عن لقمة العيش. ولا تقتصر القصة على سرد الأحداث، بل تحمل رسائل اجتماعية وإنسانية ووطنية عميقة، وتُظهر التحولات التي عاشها البطل منذ طفولته وحتى عودته إلى وطنه.

شرح الجزء الأول: الطفولة وبداية الشقاء

يركز هذا الجزء على طفولة البطل داخل قرية ريفية مصرية في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث كان الفقر هو العنوان الأبرز للحياة. حُرم الطفل من التعليم واللعب، وأصبح يعمل في الحقول منذ صغره، يرعى الجاموسة، ويساعد والده في الزراعة.

ويعرض الكاتب صورة الريف المصري قديمًا، حين كانت الأرض مصدر الرزق، وكانت العلاقات بين الناس تقوم على المحبة والاحترام والتكافل، قبل أن تتغير الأحوال مع مرور الزمن.

الرسالة: الفقر قد يحرم الطفل من أبسط حقوقه، لكنه قد يصنع منه إنسانًا قويًا يتحمل المسؤولية منذ الصغر.


شرح الجزء الثاني: تعلم المهنة وبداية الوعي

ينتقل البطل من العمل في الزراعة إلى تعلم مهنة البناء، فيبدأ الاعتماد على نفسه، ويصبح مسؤولًا عن إعالة أسرته وهو لا يزال شابًا.

وفي هذا الجزء تبدأ الأسئلة الكبرى في ذهنه، عندما يعلم أن أجداده كانوا يملكون أراضي واسعة، فيتساءل عن أسباب ضياعها، وكيف تحولت الأسرة من الغنى إلى الفقر.

كما يصور هذا الجزء الحياة اليومية المليئة بالتعب، وغياب الأمل في تحسين المستقبل داخل القرية.

الرسالة: الوعي يبدأ بالسؤال، ومعرفة الماضي تساعد الإنسان على فهم حاضره.


شرح الجزء الثالث: الرحيل عن الوطن

يُعد هذا الجزء من أكثر أجزاء القصة تأثيرًا، لأنه يصور لحظة الفراق بين البطل وأسرته.

الأم تبكي بحرقة، بينما يعجز الأب عن وداع ابنه، فيهرب حتى لا يراه يغادر، لأن ألم الفراق كان أكبر من قدرته على الاحتمال.

ثم تبدأ رحلة السفر الطويلة، حيث يواجه البطل الغربة للمرة الأولى، ويشعر بالخوف من المجهول، لكنه يجد أيضًا أشخاصًا يساعدونه ويقفون إلى جانبه.

الرسالة: الغربة لا تبدأ عند عبور الحدود، بل تبدأ منذ لحظة وداع الأهل.


شرح الجزء الرابع: الوجه الحقيقي للغربة

يكشف هذا الجزء واقع حياة العمال المغتربين.

يعيش البطل في غرفة متواضعة داخل حوش يضم عددًا كبيرًا من العمال، ويذهب كل صباح إلى مكان تجمع العمال انتظارًا لمن يستأجرهم للعمل.

يشعر بالإهانة عندما يرى العمال يتسابقون للصعود إلى سيارات العمل، فيدرك أن لقمة العيش قد تجبر الإنسان على تحمل ما لا يرضاه لنفسه.

لكن مع مرور الوقت يثبت كفاءته في مهنة البناء، ويصبح له اسم معروف بين الناس.

وفي نهاية الجزء تأتي أكبر صدمة في حياته، وهي وفاة والده وهو بعيد عنه، فيشعر بعذاب الفراق لأنه لم يتمكن من توديعه للمرة الأخيرة.

الرسالة: الغربة تمنح المال أحيانًا، لكنها قد تحرم الإنسان من أغلى لحظات حياته.


شرح الجزء الخامس: العودة والمحنة

بعد سنوات من العمل والنجاح، يقرر البطل العودة إلى وطنه، حاملًا الهدايا والحنين والاشتياق إلى أمه وقريته.

لكن رحلة العودة لا تكون كما تمنى، إذ يتعرض للتحقيق والاحتجاز، ويقضي أيامًا من الخوف والقلق، ثم يُرحَّل إلى محافظته حتى تُستكمل الإجراءات.

ورغم قسوة التجربة، فإن أجمل لحظاتها كانت لقاءه بوالدته بعد سنوات طويلة من الغياب، وهو لقاء امتزجت فيه دموع الفرح بآلام السنين.

الرسالة: قد تنتهي الغربة، لكن آثارها تبقى محفورة في النفس، والعودة إلى الوطن ليست دائمًا نهاية المعاناة.


الفكرة العامة للقصة

تعرض القصة رحلة إنسان بدأ حياته طفلًا فقيرًا، وتحمل مسؤولية أسرته مبكرًا، ثم اضطر إلى الهجرة بحثًا عن الرزق، فعاش قسوة الغربة، ومرارة الفراق، وصعوبة العمل، حتى عاد إلى وطنه بعد سنوات طويلة وهو يحمل في قلبه ذكريات لا تُنسى.

أبرز القيم التي تحملها القصة الصبر على الشدائد. بر الوالدين والإخلاص للأسرة.

  • قيمة العمل الشريف مهما كانت مشقته. الحنين الدائم إلى الوطن. التضحية من أجل لقمة العيش.

  • الكفاح والإصرار على النجاح. التمسك بالأخلاق والقيم رغم قسوة الظروف.

وخلاصة القصة أن الغربة ليست مجرد انتقال من وطن إلى آخر، بل رحلة إنسانية مليئة بالاختبارات، قد تكسب الإنسان خبرةً ورزقًا، لكنها تأخذ منه سنوات العمر، ودفء الأسرة، ولحظات لا يمكن أن تعود مهما طال الزمن.



لم تفهم نقطة معينة؟

اسأل المساعد الذكي وسيجيبك بناءً على محتوى هذا المقال.

<p>&nbsp;<span style="font-size: large;"><b> حكي قصة المغترب سيرةً واقعية لإنسانٍ خرج من رحم المعاناة، وولد في قريةٍ صغيرة من قرى الريف المصري، حيث كانت الحياة بسيطة، لكنها مليئة بالكفاح والعمل منذ سنوات الطفولة الأولى.</b></span></p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiffL0YDuyGxOtQF37mXaMWvEUN_-u9z09Xx4u1_NyOs6SyRkRqTqoZFQm12H4bJFIelrvB3-hzePFcsmUNmxOzXqrVnbPTkjCBmgIlSsFjohkvoGY9ifVUKo4s-DwLYqGQ7RVWyK0zpEad2kqWls4itTltATGVUdYjXytB-Rd-EnL8QXHZdJ064G0s5G7-/s1536/73e6f808-d0e5-44cc-b6f4-7fb8f7b56d51.png" imageanchor="1" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img alt="قصة المغترب (الأجزاء الأول إلى الخامس)" border="0" data-original-height="1024" data-original-width="1536" height="660" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiffL0YDuyGxOtQF37mXaMWvEUN_-u9z09Xx4u1_NyOs6SyRkRqTqoZFQm12H4bJFIelrvB3-hzePFcsmUNmxOzXqrVnbPTkjCBmgIlSsFjohkvoGY9ifVUKo4s-DwLYqGQ7RVWyK0zpEad2kqWls4itTltATGVUdYjXytB-Rd-EnL8QXHZdJ064G0s5G7-/w692-h660-rw/73e6f808-d0e5-44cc-b6f4-7fb8f7b56d51.png" title="قصة المغترب (الأجزاء الأول إلى الخامس)" width="692" /></a></div><br /><p><br /></p><h1><span style="font-size: medium;">الجزء الأول من قصة <strong>حياة مغترب</strong></span></h1><p><strong><span style="font-size: medium;">بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>جئت إلى الدنيا من رحم أمي في تلك القرية الصغيرة، وهناك بدأت أولى خطوات حياتي. ترعرعت فيها دون أن أملك حق اختيار مصيري، فقد كُتب عليَّ الشقاء منذ نعومة أظفاري، وأصبحت تفاصيل حياتي تُنسج بخيوط التعب والكفاح.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وحين بلغت الحادية عشرة من عمري، لم تكن المدرسة وجهتي كما كان حال أقراني، بل كان الحقل هو مدرستي الأولى. أرافق والدي في أعمال الزراعة، أساعده بما أستطيع، وأحمل الطعام من المنزل إلى الحقل. وبدلًا من أن ألتحق بالكُتَّاب لأتعلم القراءة والكتابة، التحقت بأرضٍ لا تعرف سوى العرق والتعب.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وبدلًا من أن ألهو مع الأطفال وأعيش براءة الطفولة، كنت أقضي نهاري بين الزرع، أعمل تحت أشعة الشمس الحارقة، وسط نبات الذرة العالية التي كانت أوراقها الحادة تجرح الرقبة والذراعين كأنها شفرات حادة. وكان الغبار يلتصق بالعرق، فيدخل إلى الجروح الصغيرة، فتشتعل ألماً، وكأن أحدًا نثر عليها فلفلًا حارًا. كان ذلك الإحساس قاسيًا، خاصةً على طفل لم يعرف بعد معنى الشقاء، ولم يتذوق مرارة الكفاح في بداية عمره.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كنت أنظر إلى الأطفال وهم يذهبون إلى مدارسهم، يضحكون ويلعبون، بينما كنت أقود جاموستنا عائدًا بها من الحقل. كانت جاموسة ضخمة، تبدو كأنها وحش كاسر، ومع ذلك كان يقودها طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره. كانت شرسة مع الغرباء، تنطح كل من يقترب منها، لكنها كانت أليفة معي؛ لأنني كنت أطعمها وأرعاها كل يوم، حتى ألفتني وأصبحت هادئة بين يدي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وكانت أمي تحلبها صباحًا ومساءً، فنشرب من لبنها، ونصنع منه الجبن والسمن، وكانت تلك هي حياتنا اليومية، ولم تكن أسرتنا وحدها تعيش على هذا النمط، بل كانت القرية بأكملها تعتمد على الزراعة وتربية الماشية.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>في عام 1955 كانت حياة القرية بسيطة، يسودها الاكتفاء والقناعة. كانت الأرض مصدر الرزق، والمحصول الزراعي يسد جوع الجميع، فلم يكن الناس يهتمون ببناء القصور، أو اقتناء السيارات الفاخرة، أو التفاخر بالمظاهر. كانوا متساوين في معيشتهم، لا تعرف قلوبهم الحسد، ولا تسكنها الغيرة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت المحبة تجمعهم، والتعاون يربط بينهم، وتحكمهم العادات الأصيلة، والقيم النبيلة، وواجب المعروف، وكلمة «العيب» التي كانت قانونًا أخلاقيًا يحترمه الجميع. فمن يخطئ في حق جاره أو أحد أبناء القرية، يجد من يرده إلى الصواب، ويذكره بما تربى عليه من أخلاق.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لكن تلك القيم بدأت تتلاشى مع مرور الزمن، ومع انفتاح البلاد ودخول الغرباء إلى القرية، واختلاط الناس بثقافات مختلفة. لم يعد أبناء القرية يعرف بعضهم بعضًا كما كانوا في الماضي، واختفى مفهوم «العيب» الذي كان يردع الجميع عن الخطأ.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تغيرت المظاهر، وتبدلت الأخلاق، وأصبح كثير من الشباب يلهثون خلف الموضة، وتراجعت هيبة الكبار، وانتشرت الفوضى الأخلاقية، وضعف الاحترام الذي كان يومًا من ركائز المجتمع الريفي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ومع ارتفاع أسعار الأراضي بعد الانفتاح الاقتصادي، باع كثير من الأهالي أراضيهم الزراعية، واشتروا السيارات الحديثة، ظنًا منهم أن الثراء أصبح في المظاهر، لا في الأرض التي كانت يومًا مصدر رزقهم وأمانهم.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وهكذا تقلصت الرقعة الزراعية عامًا بعد عام، حتى أصبحت القرية التي كانت تشتهر بخضرتها، قد يأتي عليها يوم لا تجد فيه أرضًا تزرع حتى حقلًا صغيرًا من الجرجير.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>هذه نبذة من قصة «حياة مغترب»، وسأواصل في الأجزاء القادمة سرد رحلة البطل، وما عاشه من أحداث، وكيف كانت حياته اليومية، وما الذي واجهه في غربته الطويلة، وما تركته تلك السنوات من آثار في نفسه وحياته.</b></span></p><p><br /></p><a name="more"></a><p></p><div style="border-bottom: solid windowtext 1.0pt; border: none; mso-border-bottom-alt: solid windowtext .75pt; mso-element: para-border-div; padding: 0cm 0cm 1.0pt 0cm;"> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="border: none; mso-border-bottom-alt: solid windowtext .75pt; mso-padding-alt: 0cm 0cm 1.0pt 0cm; padding: 0cm;"><span style="font-size: medium;"><b></b></span></p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><span style="font-size: medium;"><b><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEg1FCCtopU_-Pz_DqXznaREs1taLhW_Sff7XX7-yjxDHwtAgZIVrzABPm_XQfGkt2NAVQYUN63KwxlGBz-39ZtWmySyKpriBKy1QNl-f-n1ewWFXgy_4Fk3miGGTzqljqLWDT7AzAjNu2zKByMpzdetNUOX_yOA3tgVIZR4iwQTojcNQ0rH3U_EZOj511w1" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img alt="" data-original-height="1024" data-original-width="1536" height="469" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEg1FCCtopU_-Pz_DqXznaREs1taLhW_Sff7XX7-yjxDHwtAgZIVrzABPm_XQfGkt2NAVQYUN63KwxlGBz-39ZtWmySyKpriBKy1QNl-f-n1ewWFXgy_4Fk3miGGTzqljqLWDT7AzAjNu2zKByMpzdetNUOX_yOA3tgVIZR4iwQTojcNQ0rH3U_EZOj511w1=w455-h469-rw" width="455" /></a></b></span></div><span style="font-size: medium;"><b><br /><br /></b></span><p></p><h1><span style="font-size: medium;">الجزء الثاني من قصة <strong>المغترب</strong></span></h1><p><strong><span style="font-size: medium;">بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>في هذا الجزء نعود إلى ما قبل الغربة، قبل أن يرحل البطل عن وطنه، وقبل أن تبدأ رحلة المعاناة التي سترافقه سنوات طويلة بعيدًا عن أرضه وأهله. فما زال يعيش في وطنه الأم، بين أحضان والديه، في إحدى قرى الريف المصري، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، قبل الانفتاح الاقتصادي، وقبل أن تتغير ملامح الحياة، حين كان الجنيه المصري يحتفظ بقيمته، وكانت البساطة عنوان الحياة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كان الطفل يواصل مسيرته وسط الشقاء الذي فرضته عليه الظروف منذ سنواته الأولى، قبل أن يشتد عوده، وقبل أن يكتمل نضجه الفكري، وقبل أن يمتلك القدرة على الاختيار بين القبول والرفض. كان طفلًا بريئًا، لكنه حمل هموم الرجال في سنٍ لا تعرف إلا اللعب والبراءة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ظل يعمل في الحقول، يرعى الجاموسة، ويساعد والده في الزراعة، حتى رأى والداه أن يتعلم صنعة تكون خيرًا له من البقاء في الأرض، فأرسلاه إلى معلم بناء ليتعلم مهنة البناء.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>بدأ مشواره عاملًا بسيطًا، يحمل أدوات البنائين، ويتعلم أصول المهنة بصبر واجتهاد، حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، وقد أصبح صانعًا يعتمد على نفسه. بدأ يأخذ الأعمال لحسابه الخاص، وأصبح ينفق على أسرته، ويساعد والديه في مصاريف المنزل، رغم أنه كان لا يزال في مقتبل شبابه.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لقد أصبح رجلًا قبل أن يكتمل شبابه، وتحمل مسؤولية البيت قبل أن يعيش أيام الصبا التي يحلم بها كل شاب.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>استمرت حياته في وطنه تسير على وتيرة واحدة؛ يعمل من أجل قوت يومه، ولا يفكر في ادخار المال أو بناء مستقبل لنفسه. كان كل همه أن يوفر احتياجات أسرته، وأن يخفف عن والديه قسوة الحياة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم يعرف الرحلات، ولا التنزه، ولا اللهو الذي كان يعيشه بعض أبناء جيله. كانت حياته تبدأ مع شروق الشمس في العمل، وتنتهي مع غروبها بالعودة إلى المنزل، يتناول طعامه ثم يخلد إلى النوم، ليبدأ في اليوم التالي الرحلة نفسها، وكأن الأيام نسخ متطابقة لا يميز إحداها عن الأخرى.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وكان كثيرًا ما يجلس وحيدًا، مثقلًا بالهموم، لا يتحدث إلى أحد، فقد حمل من أعباء الحياة ما يفوق سنه. لم يعرف طفولة حقيقية، ولم ينل نصيبًا من التعليم، لأن الفقر كان رفيقه الدائم، لا يفارقه، ولا يسمح له أن يختار طريقًا آخر.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وكان يتساءل بينه وبين نفسه:&nbsp;هل سأبقى هكذا طوال حياتي؟</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">هل سيكون الغد نسخةً من اليوم؟</span></strong></p><p><strong><span style="font-size: medium;">وهل تحمل الأيام القادمة أملًا جديدًا، أم أنني سأظل أسير هذه الحياة التي لا تتغير؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم يكن يرى أمامه سوى طريق واحد؛ العمل من أجل لقمة العيش. فلا فرص جديدة، ولا أبواب تفتح نحو مستقبل أفضل، ولا أحلام يستطيع تحقيقها في قرية يعتمد أهلها على أعمال محدودة لا تكاد تكفيهم لسد احتياجاتهم اليومية.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي إحدى الليالي، وبينما كان غارقًا في التفكير، راوده سؤال لم يفارقه:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">لماذا أصبحنا فقراء إلى هذا الحد؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>اقترب من والده وسأله:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">يا أبي... لماذا أصبح حالنا هكذا؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تنهد الأب طويلًا، ثم قال:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">يا بُني، كان جدنا الثالث يزرع ألف فدان من الأرض، وكان يترك من محصوله ما يكفي لتقاوي العام القادم.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ولعل بعض الناس لا يعرفون معنى «التقاوي»؛ وهي البذور التي يحتفظ بها الفلاح من محصوله ليزرع بها أرضه في الموسم التالي، فلا يحتاج إلى شرائها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أكمل الأب حديثه وقال:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">كان جدك يبيع جزءًا من المحصول، ويحتفظ بالباقي، حتى أصبح الناس يقولون عنه: يتقاوى الألف فدان من بيته.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وقف الابن مدهوشًا، ثم قال:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">إذا كان الأمر كذلك... فكيف أصبحنا على هذه الحال؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>نظر إليه والده وقال بهدوء:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">ستعرف في الوقت المناسب لماذا حدث كل هذا.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم دخل إلى المنزل، وترك ابنه غارقًا في دوامة من الأسئلة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>جلس الشاب يفكر طويلًا، وقد ازدادت حيرته. كان قبل هذه اللحظة راضيًا بما قسمه الله له، أما الآن فقد أصبح يحمل همًا جديدًا، بعدما علم أن أسرته كانت يومًا من أصحاب الأراضي الواسعة.&nbsp;</b></span><b style="font-size: large;">وأخذ يحدث نفسه:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">من الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟&nbsp;</span></strong><strong><span style="font-size: medium;">ومن المسؤول عن ضياع كل تلك الأراضي؟&nbsp;</span></strong><strong><span style="font-size: medium;">هل باعها أصحابها؟</span></strong></p><p><strong><span style="font-size: medium;">أم سُلبت منهم؟</span></strong></p><p><strong><span style="font-size: medium;">وهل كان للإصلاح الزراعي، أو القوانين التي صدرت في تلك الحقبة، دور فيما جرى؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت أسئلة كثيرة تدور في رأسه، لكنها بقيت بلا إجابة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ومنذ تلك اللحظة بدأت فكرة البحث عن مستقبل مختلف تتسلل إلى عقله، وبدأ يفكر لأول مرة: هل تكون الغربة هي الطريق الوحيد للخروج من دائرة الفقر؟&nbsp;</b></span><b style="font-size: large;">لكن الأيام وحدها كانت تملك الإجابة.&nbsp;</b><strong><span style="font-size: medium;">يتبع في الجزء الثالث...</span></strong></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="border: none; mso-border-bottom-alt: solid windowtext .75pt; mso-padding-alt: 0cm 0cm 1.0pt 0cm; padding: 0cm;"><br /></p> </div><p><strong></strong></p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><strong><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiCMnatKIt9W23IIyIfx1Uhd_k7mHHsC0IeJCCkS0fn2quQ_Kg1E_nq01sgfwgpacSSsOhucadQpwt6kJePjPWZlFGIBQnpWuYgm4Ju_k6mf5MtOksxvEbQpsU2_UZoI1d4pnHj-k4LwhfmoWF9zWgl1jp_pnt_MZhZYtP9mRuJnFYdcwpSY8_NG6GmcXOt/s1313/d0cce36c-8c23-4dec-8c77-ce3c547a0898.png" imageanchor="1" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img border="0" data-original-height="1198" data-original-width="1313" height="470" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiCMnatKIt9W23IIyIfx1Uhd_k7mHHsC0IeJCCkS0fn2quQ_Kg1E_nq01sgfwgpacSSsOhucadQpwt6kJePjPWZlFGIBQnpWuYgm4Ju_k6mf5MtOksxvEbQpsU2_UZoI1d4pnHj-k4LwhfmoWF9zWgl1jp_pnt_MZhZYtP9mRuJnFYdcwpSY8_NG6GmcXOt/w403-h470-rw/d0cce36c-8c23-4dec-8c77-ce3c547a0898.png" width="403" /></a></strong></div><strong><br /><span style="font-size: medium;"><br /></span></strong><p></p><h1><span style="font-size: medium;">الجزء الثالث من قصة <strong>المغترب</strong></span></h1><p><strong><span style="font-size: medium;">بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>في هذا الجزء تبدأ لحظة الفراق، وهي من أصعب اللحظات التي مرت في حياتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كان موعد رحيلي قد حان، وكنت أستعد لمغادرة أسرتي وقريتي متجهًا إلى الغربة، بحثًا عن لقمة العيش ومستقبل أفضل. لكن أصعب ما واجهته لم يكن السفر، بل وداع والدي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>بحثت عنه لأودعه، فلم أجده.&nbsp;</b></span><b style="font-size: large;">سألت أمي:&nbsp;</b><strong><span style="font-size: medium;">أين أبي يا أمي؟&nbsp;</span></strong><b style="font-size: large;">فقالت وهي تخفي دموعها:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– يا بني، أبوك لا يريد أن يودعك. هرب من أمامك حتى لا يراك راحلًا، فهو يريد أن تبقى صورتك دائمًا أمام عينيه، ولا يستطيع أن يتحمل لحظة فراقك.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أما أمي، فلم تستطع أن تحبس دموعها، فكانت تبكي بحرقة وهي تودعني.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>مضيت في طريقي، وأنا لا أعلم أن تلك اللحظة ستكون آخر عهد لي بوالدي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ولو كنت أعلم أنني لن أراه بعد ذلك أبدًا، لما فكرت يومًا في السفر، ولما غادرت قريتي مهما كانت قسوة الحياة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم أعرف أبي معرفةً حقيقية إلا بعد أن كبرت قليلًا. فمنذ أن بدأت أعي الدنيا وأنا في الحادية عشرة من عمري، وحتى بلغت الثامنة عشرة، لم أعش معه سوى سبع سنوات فقط، كانت أجمل سنوات عمري، لكنها كانت قصيرة جدًا.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>غادرت القرية، وغادرني أبي دون وداع، ظنًا منه أنه إن لم يرني وأنا أرحل فسأبقى حاضرًا في خياله، ولم يعلم أنه هو الذي بقي حاضرًا في قلبي وخاطري طوال سنوات الغربة، وحتى هذه اللحظة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>خرجت من قريتي، وتركت خلفي أمي، ووالدي، وإخوتي، وجيراني، وكل الذكريات التي عشتها بين شوارع القرية وحقولها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تركت الأرض التي شهدت طفولتي، وتركت البيت الذي كبرت بين جدرانه، وتركت القرية بما فيها من قيم، وعادات، وأخلاق، وبساطة أهل الريف.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كنت أحلم أن تكون الغربة رحلة قصيرة، أجمع فيها المال، ثم أعود لأبني بيتًا، وأتزوج، وأعيش بجوار أسرتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لكنني لم أكن أعلم أن حلمي الصغير سيصبح بداية رحلة طويلة من الحرمان، وأن الغربة ستأخذ مني أكثر مما ستمنحني.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>غادرت قريتي إلى المحافظة، ومنها إلى العاصمة، ثم ركبت الحافلة المتجهة إلى الدولة التي سأغترب فيها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت تلك أول مرة أركب فيها حافلة تسافر مسافات طويلة.&nbsp;</b></span><b style="font-size: large;">لم أكن أعرف الطرق، ولا المدن التي نعبرها، ولا إلى أين نمضي.&nbsp;</b><b style="font-size: large;">كانت عيناي تتأملان كل شيء، وكأنني أرى الدنيا لأول مرة.</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أما قبل ذلك، فلم أكن أعرف من وسائل المواصلات إلا السيارات التي تنقلنا بين القرية ومركز المحافظة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>سرنا طوال الليل، حتى أشرقت شمس اليوم التالي.&nbsp;</b></span><b style="font-size: large;">وفي نحو الساعة الرابعة عصرًا توقفت الحافلة، ونادى السائق على الركاب الذين سينزلون في تلك المحافظة.</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كنت قد أخبرته منذ بداية الرحلة باسم المحافظة التي أقصدها، فلم ينسني.&nbsp;</b></span><b style="font-size: large;">وقف ينادي:&nbsp;</b><strong><span style="font-size: medium;">فين الولد اللي رايح المحافظة الفلانية؟&nbsp;</span></strong><b style="font-size: large;">فقلت بسرعة:&nbsp;</b><strong><span style="font-size: medium;">أنا... أنا هنا.&nbsp;</span></strong><b style="font-size: large;">نزلت من الحافلة، والتفت حولي، فلم أعرف شيئًا.</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت الطرق غريبة، والوجوه غريبة، ولم أدرِ كيف أصل إلى عنوان الرجل الذي سأقيم عنده.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كان العنوان قد أرسله لي في شريط كاسيت بصوته، ولم يكتبه على ورقة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>سألني السائق:&nbsp;</b></span><strong><span style="font-size: medium;">تعرف تروح إزاي؟&nbsp;</span></strong><b style="font-size: large;">قلت له&nbsp;</b><strong><span style="font-size: medium;">&nbsp;لا... والعنوان عندي محفوظ من الشريط فقط.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>طلب مني أن أذكر له الاسم، فذكرته.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>هز رأسه، ثم أمسك بيدي، بينما كنت أحمل حقيبتين ثقيلتين، وسار بي حتى وصل إلى موقف سيارات يقل السائقون منه إلى الدولة التي أقصدها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>اقترب من مجموعة من السائقين وقال لهم:&nbsp;</b></span><strong><span style="font-size: medium;">السلام عليكم.&nbsp;</span></strong><b style="font-size: large;">فردوا جميعًا:&nbsp;</b><strong><span style="font-size: medium;">وعليكم السلام ورحمة الله.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم قال لهم:&nbsp;</b></span><strong><span style="font-size: medium;">هذا الشاب يريد الذهاب إلى المكان الفلاني، أرجو أن تساعدوه.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>جزاه الله خيرًا، فقد عاملني كأنني أحد أبنائه، ولم يتركني وحدي في مكان لا أعرفه.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ولا يزال موقفه الإنساني محفورًا في ذاكرتي منذ عام 1991، ولن أنساه ما حييت.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ركبت مع أحد السائقين العرب، وجلست في السيارة من الخامسة مساءً حتى السادسة، ننتظر اكتمال عدد الركاب.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ولما لم تكتمل السيارة، طلب مني أن أنزل.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لكن لهجته كانت مختلفة، فلم أفهم ما يقوله، وظننت أنه يطردني.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فغضبت وقلت له بلهجتي الصعيدية:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– مالك متعصب عليَّ؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ابتسم الرجل، ثم أدرك أنني حديث الوصول، فقال لي بلهجة مصرية مكسرة:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– أنت أول مرة تيجي هنا؟&nbsp;</span></strong><b style="font-size: large;">قلت:&nbsp;</b><strong><span style="font-size: medium;">نعم.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فأخذني بنفسه إلى سيارة أخرى، وقال للسائق:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– انتبه لهذا الشاب، فهو أول مرة يأتي إلى هنا، وأوصله إلى المكان الذي يريده.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>جلست في السيارة الثانية حتى الثامنة مساءً، لكنها أيضًا لم تكتمل. فنقلني السائق إلى سيارة ثالثة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي تلك المرة اكتمل عدد الركاب، وتحركنا نحو وجهتنا. وصلنا قرابة الساعة العاشرة ليلًا إلى مكان لم أكن أعرفه.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أوقف السائق السيارة أمام مجموعة من المصريين، ثم قال:&nbsp;انزل... لقد وصلنا.&nbsp;سألته:&nbsp;هل هذا هو المكان المعروف باسم نادي دَرَنْس؟</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>قال:&nbsp;نعم.&nbsp;نزلت، ووضعت حقائبي بجوارهم، ثم انصرف. نظر إليَّ أحد الرجال، وعرفت فيما بعد أن اسمه كرم، وكان اسمه يوافق أخلاقه. قال لي:&nbsp;جئت عند مَن؟ ومن الشخص الذي ستقيم عنده؟&nbsp;أخبرته بالاسم، ثم قلت له:&nbsp;&nbsp;أنا متعب جدًا، وأريد أن أنام.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقال:&nbsp;تفضل... سأفرش لك مكانًا ترتاح فيه.&nbsp;ثم سألني:&nbsp;هل تناولت العشاء؟&nbsp;قلت:&nbsp;لا.&nbsp;فأحضر لي كوبًا من الحليب وبعض الطعام، فأكلت، ثم نمت من شدة التعب.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي صباح اليوم التالي، أوقف لي سيارة أجرة، وأوصلني إلى نادي دَرَنْس، وهناك التقيت أحد أقاربي، وبعد أن اطمأن عليَّ، تركني ومضى.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وهكذا بدأت أولى خطوات الغربة، رحلة لم أكن أعلم أنها ستحمل في طياتها من التعب الجسدي والنفسي ما يفوق كل ما عرفته من قبل.</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">وإلى اللقاء في الجزء الرابع، حيث تبدأ فصول الحياة الحقيقية في الغربة، بما فيها من كفاح، وتحديات، ومواقف لا تُنسى.<span></span></span></strong></p><!--more--><p></p><p><span style="font-size: medium;"><b><br /></b></span></p><h1><span style="font-size: medium;">الجزء الرابع من قصة <strong>المغترب</strong></span></h1><p><span style="font-size: medium;"><b>استقبلني أحد أبناء قريتي، وأخذني إلى المكان الذي سأقيم فيه. وكان يُطلق على ذلك المكان في تلك الدولة اسم الحوش، وهو مجمع يضم غرفًا صغيرة يسكنها العمال المصريون.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>دخلت الحوش، فإذا بالغرف متجاورة، وسقوفها من صفائح الزنك، وقد طُليت بمادة عازلة لتخفف من تسرب مياه الأمطار في فصل الشتاء، لكنها لم تكن تقي من حرارة الصيف. وكانت الحرارة داخل الغرفة لا تُطاق، وكأنها فرن مشتعل، خاصة أنني وصلت في شهر يوليو من عام 1991، في ذروة الصيف.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>نظرت إلى الغرفة، ثم قلت لابن قريتي:&nbsp;هل هذه هي الغرفة التي سنقيم فيها؟</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ابتسم وقال:&nbsp;&nbsp;نعم، هذه هي حياتنا في الغربة.&nbsp;فقلت بحسرة:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– يا لها من حياة! والله إن الجلوس تحت أكوام حطب الذرة في قريتنا أهون من العيش في هذه الغرفة.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقال لي:&nbsp;وهل أمامنا خيار آخر؟</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>شعرت وكأنه يقول لي: إن أعجبتك فأهلًا بها، وإن لم تعجبك فابحث عن غيرها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>صمتُّ، وجلست أفكر في والديَّ اللذين تركتهما خلفي، ولا معيل لهما سواي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>خرج ابن قريتي ليحضر الطعام، ثم عاد بعد قليل وقال:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– أكيد أنت جائع، فقد قضينا اليوم كله في السوق نبحث عن عمل، وأنت تنتظرني.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>قلت له:&nbsp;&nbsp;لا بأس، الحمد لله.&nbsp;أحضر وجبة بسيطة تتكون من التونة، والبصل، والطماطم، والخبز.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تناولت طعامي، ثم وضعت رأسي على الوسادة، وغلبني النوم من شدة الإرهاق، فقد كانت رحلة السفر طويلة ومرهقة، ولم أنم خلالها إلا مرتين؛ مرة عند الرجل الطيب "كرم" الذي استقبلني عند وصولي، ومرة في تلك الغرفة المتواضعة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي صباح اليوم التالي أيقظني ابن قريتي وقال:</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>– قم، فأنت لم تأتِ إلى هنا لتنام.&nbsp;قلت له:&nbsp;إلى أين سنذهب؟&nbsp;قال:</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>– إلى الدرويزة.&nbsp;وكان هذا هو المكان الذي يجتمع فيه العمال في انتظار المقاولين وأصحاب العمل.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ذهبت معه، وهناك رأيت مشهدًا لن أنساه ما حييت.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>رأيت كل صاحب مهنة يجلس إلى جوار أدواته، ينتظر من يأتي ليطلب عمله، تمامًا كما يجلس البائع في السوق يعرض بضاعته في انتظار المشتري.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وقفت أتأمل وجوه المصريين، وكل واحد منهم يحمل أدوات مهنته أمامه، ينتظر رزقه.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كان المشهد مؤلمًا.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فالنجار، والبناء، والسباك، والكهربائي... جميعهم يجلسون في صفوف طويلة، ينتظرون من يختارهم للعمل.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أما أكثر ما أحزنني، فهو عندما كانت سيارات المواطنين تتوقف، فيهرع العمال إليها، ويتسابقون ويتجادلون، وكل واحد يريد أن يكون هو من يركب السيارة ويحصل على فرصة العمل.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>في تلك اللحظة شعرت أن كرامتي قد انكسرت. حملت أدواتي، وانسحبت بهدوء، وعيناي تمتلئان بالدموع. بكيت كثيرًا، وعدت إلى الحوش، وأنا لا أعرف الطريق إليه إلا بصعوبة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي الطريق سألت أحد المواطنين عن سكن المصريين، فدلني عليه، حتى وصلت وجلست في ساحة الحوش أنتظر عودة ابن قريتي، إذ لم يكن معي مفتاح الغرفة. ولما عاد، نظر إليَّ مستغربًا وقال:&nbsp;أين كنت؟&nbsp;فحكيت له ما رأيته في الدرويزة، وكيف عدت باكيًا.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فضحك وقال:&nbsp;إذا بقيت حساسًا هكذا فلن تكمل غربتك، وستعود إلى قريتك سريعًا. هذا هو حالنا كل يوم، ولا بد أن تتأقلم معه إذا أردت أن تحقق هدفك وتساعد والديك.&nbsp;سكتُّ طويلًا، ثم قلت له:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– سأتحمل... من أجل أبي وأمي، ومن أجل لقمة العيش، مهما كانت مرة.<span></span></span></strong></p><!--more--><p></p><p><strong><span style="font-size: medium;"><br /></span></strong></p><h1><span style="font-size: medium;">الجزء الخامس من قصة <strong>المغترب</strong></span></h1><p><strong><span style="font-size: medium;">بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>هذه قصة واقعية تعود أحداثها إلى عام 1991، تروي معاناة مغتربٍ كُتب عليه الشقاء منذ أن فتحت له الحياة أبوابها، فلم يعرف الراحة يومًا، بل ظل يصارع قسوة الأيام وتقلبات الزمن. إنها حكاية إنسان حمل هموم الغربة على كتفيه، وعاش بين الألم والصبر، حتى أصبحت معاناته شاهدًا حيًا على مرحلة لا تُنسى من حياته.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أكتب لكم هذه القصة بكل صدق وأمانة، دون زيادة أو مبالغة، فلا أضيف إلى أحداثها حرفًا، ولا أغيّر من وقائعها شيئًا. وربما أنسى بعض التفاصيل بفعل مرور السنين، لكنني لا أتعمد إخفاء الحقيقة. ومع ذلك، فقد آثرت أن أتجاوز بعض المواقف التي تمس أشخاصًا بعينهم، احترامًا لهم، وحتى لا أجرح أحدًا أو أثير الضغائن. وأكتفي بأن أترك للقارئ أن يستنتج ما بين السطور، فبعض المواقف لا تحتاج إلى شرح، وإنما تكشفها الأفعال وحدها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وبعد وفاة والدي، واصلت حياتي العملية في مهنتي، حتى جاءني أحد المواطنين وقال لي:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– أنا أبني مسجدًا، وأريدك أن تتولى بناءه.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقلت له بكل سرور:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– على الرحب والسعة، فهذا شرف كبير لي، وأسأل الله أن يوفقني لإتمامه على خير وجه.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقال لي:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– أعلم أنك تختلف عنا في العقيدة، لكن ذلك لا يفرق عندي، فالمهم عندي الأمانة والإتقان.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقلت له:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– وأنا أتشرف ببناء بيت من بيوت الله، وأعتبر ذلك وسامًا أعتز به.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>اتفقنا على قيمة العمل، وبدأت التنفيذ، وكان اسم المسجد مسجد الحسين، في إحدى بلدات المحافظة التي كنت أعمل فيها بمنطقة الساحل الشرقي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وبعد أشهر قليلة، جاءني شخص آخر، وطلب مني بناء مسجدٍ ثانٍ في منطقة شيحا الشرقية، فحمدت الله أن نلت شرف المساهمة في بناء مسجدين، وكان ذلك من أجمل الأعمال التي قمت بها خلال سنوات غربتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>واستمرت حياتي على هذا النمط منذ عام 1991 حتى عام 1997، دون أن أعود إلى وطني ولو مرة واحدة. مرت سبع سنوات كاملة، لم تطأ فيها قدماي أرض قريتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ومنذ وفاة والدي، لم تكن لدي رغبة في العودة؛ فقد ذبلت أحلامي، وانطفأ شيء كبير في داخلي، ولم يعد يشدني إلى الوطن سوى أمي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>اشتقت إلى حنانها، وإلى دعائها، وإلى حضنها الذي افتقدته طوال سنوات الغربة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقررت العودة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>اشتريت الهدايا للأقارب والأهل، وجهزت حقيبتين استعدادًا للسفر، وعدت أسترجع في مخيلتي صور الطفولة، وشوارع القرية، وجدران البيوت، والحقول، والجاموسة التي كانت ترافق طفولتي، وكل الذكريات التي تركتها خلفي منذ سنوات.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>واصل ضابط أمن الدولة استجوابي، ثم قال لي:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– لماذا بقيت كل هذه السنوات في الغربة؟ ولماذا لم تنزل إلى وطنك ولو مرة واحدة؟ لقد أمضيت سبع سنوات متواصلة خارج البلاد، فما الهدف من إطالة غربتك، خاصة أنك سافرت في وقت كان يُسمح فيه بالدخول والخروج ببطاقة الهوية دون تعقيدات؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>انهال عليَّ بالأسئلة، أسئلة كثيرة لم أكن مستعدًا لها، ولم تخطر يومًا على بالي، فلم أجد ما أجيب به سوى كلمة واحدة، قلتها بكل صدق:</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>– من أجل لقمة العيش يا باشا.&nbsp;نظر إليَّ وقال:&nbsp;وهل لقمة العيش تستحق أن تغيب أكثر من ست سنوات؟</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم تابع حديثه قائلاً:&nbsp;كم كان عمرك عندما غادرت قريتك؟&nbsp;فأجبته دون تردد، فما زال ذلك التاريخ محفورًا في ذاكرتي:&nbsp;كان عمري ثمانية عشر عامًا.&nbsp;فقال:&nbsp;&nbsp;كنت ما زلت صغير السن، لا تستحق الغربة في ذلك العمر. كيف سمح لك والداك أن ترحل بعيدًا عنهما؟</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فأجبته للمرة الثانية:&nbsp;من أجل لقمة العيش يا باشا.&nbsp;التفت إلى أمين الشرطة وقال:&nbsp;خذه إلى الخارج.&nbsp;خرجت مع أمين الشرطة، وسألته وأنا أرتجف خوفًا:&nbsp;ماذا سيفعلون بي؟&nbsp;ففي حياتي كلها لم أقف من قبل أمام ضابط أمن دولة. قال لي ببرود:</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>– لا أعرف.&nbsp;ثم أشار بيده وقال بلهجة حادة:&nbsp;اقعد هنا... ولا أسمع لك صوتًا، ولا تتحرك من مكانك.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>زادني كلامه خوفًا وقلقًا، وأصبحت أكثر توترًا، ولم أعد أعرف ماذا ينتظرني. ومرت الساعات بطيئة، حتى شعرت بجوع شديد، فقمت أبحث عن شيء آكله. فصرخ في وجهي أمين الشرطة:&nbsp;ألم أقل لك لا تتحرك من مكانك؟&nbsp;قلت له:&nbsp;ا رجل... لقد جعت.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فرد بصوت مرتفع:&nbsp;ارجع مكانك، ولا تتحرك.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ظللت على هذه الحال منذ الساعة العاشرة صباحًا حتى الثامنة مساءً، دون طعام أو شراب، حتى نادى أحدهم:&nbsp;أنت... تعال.&nbsp;قلت:&nbsp;نعم&nbsp;&nbsp;قال:&nbsp;&nbsp;هيا بنا.&nbsp;سألته:&nbsp;إلى أين؟&nbsp;فأجاب بكلمة واحدة هزت كياني:&nbsp;&nbsp;إلى السجن.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت صدمة لم أتوقعها، فلم يخبرني أحد بشيء، ولم أعرف سبب ما يحدث. فقلت له:&nbsp;&nbsp;تمهل قليلًا، دعني أحدث الرجل الذي ينتظرني ومعه حقائبي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>سمح لي، فقلت لابن قريتي:&nbsp;خذ الحقائب معك، ولا تخبر أسرتي أنني في السجن حتى لا تقلق أمي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أخذ الرجل الحقائب، وعاد بها إلى القرية قبل أن أصل أنا إليها. ولما سأله أحدهم:&nbsp;هل أرسلتها والدته؟</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>قال:&nbsp;&nbsp;لا، سأحتفظ بها عندي حتى يعود بنفسه، حتى لا تعلم والدته بما حدث له.&nbsp;ثم مضيت مع أمين الشرطة، وأُودعت السجن.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي صباح اليوم التالي، حضر أمين شرطة آخر، ونادى باسمي. قلت:&nbsp;نعم، أنا هنا.&nbsp;قال:&nbsp;هيا بنا.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>خرجت معه، ومن شدة خوفي لم أجرؤ حتى على سؤاله إلى أين نحن ذاهبون.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كان يمسك بيدي، وكأنني مجرم خطير، أو سارق، أو صاحب جريمة، لا إنسانًا اغترب سنوات طويلة من أجل لقمة العيش وتحسين وضعه المادي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم يعلم أحد منهم أنني كنت آكل خبزي من عرق جبيني، ولم أعتمد يومًا على مال حرام أو على أحد.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كنت أمشي مطأطئ الرأس، أشعر بالخجل من نظرات الناس في الطريق، وكأنهم ينظرون إلى متهم أو مشبوه.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تنقلت بين أكثر من قسم، حتى تم ترحيلي إلى محافظتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>استغرقت الرحلة من الجمارك إلى محافظتي أربعة أيام، ثم بقيت خمسة أيام أخرى رهن الاحتجاز.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وخلال تلك الأيام، علمت أمي أنني موجود في مركز الشرطة، فجاء بعض أقاربي من القرية إلى المركز، وظلوا طوال اليوم يرجون المسؤولين أن يفرجوا عني. لكن أحد أمناء الشرطة خرج إليهم وقال:&nbsp;لا بد أن يُعرض على أمن الدولة أولًا.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>عادوا إلى أمي وقد فقدوا الأمل، وأخبروها بكل ما رأوه وسمعوه. وفي صباح اليوم الرابع، نادى أحدهم باسمي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>قلت:&nbsp;نعم، أنا هنا.&nbsp;اصطحبني رجل كبير في السن، وقال لي:&nbsp;هيا بنا إلى أمن الدولة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ذهبنا، لكننا وجدنا أن الأوراق الرسمية الخاصة بي لم تصل بعد، وكان ذلك يوم الخميس، فعدنا مرة أخرى.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي طريق العودة، نظر إليَّ الرجل الكبير وقال:</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>– ما رأيك أن أرسلك إلى أمك حتى تراها، ثم آتي إليك في السادسة مساءً وأعيدك إلى المركز؟&nbsp;كانت كلماته بالنسبة لي كأنها حكم بالعفو بعد انتظار حكم بالإعدام. فرحت فرحًا شديدًا، وشكرته من أعماق قلبي. ذهب بي إلى منزل أمي. وما إن رأتني حتى احتضنتني وبكت، وبكيت معها طويلًا. ثم قال الرجل:&nbsp;&nbsp;سأعود في السادسة مساءً لأصطحبك إلى المركز.&nbsp;وانصرف.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>امتلأ البيت بالأهل والجيران يهنئون أمي بعودتي، ولو لساعات قليلة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وحين جاءت الساعة السادسة، أوفى الرجل بوعده، وأعادني إلى المركز، فقضيت ليلة الجمعة هناك.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي صباح اليوم التالي، ذهبنا مرة أخرى إلى أمن الدولة، ثم عدنا إلى المركز.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي نهاية اليوم، سمحوا لي بالعودة إلى منزل أمي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>جلست أتأمل بيتنا، وجدرانه، وشوارع القرية التي تغيرت كثيرًا، وأخذت أقارن بين الماضي والحاضر، وبين سنوات الغربة وما تركته في نفسي من وجع وحنين.&nbsp;وإلى اللقاء في الجزء السادس، حيث أروي لكم ما حدث لي بعد عودتي إلى القرية.<span></span></b></span></p><!--more--><p></p><h1>&nbsp;قصة <strong>المغترب</strong> (الأجزاء الأول إلى الخامس)</h1><p><span style="font-size: medium;">تُعد <strong>قصة المغترب</strong> سيرةً واقعية توثق رحلة إنسانٍ بسيط بدأ حياته في بيئة ريفية فقيرة، ثم دفعته ظروف الحياة إلى الغربة بحثًا عن لقمة العيش. ولا تقتصر القصة على سرد الأحداث، بل تحمل رسائل اجتماعية وإنسانية ووطنية عميقة، وتُظهر التحولات التي عاشها البطل منذ طفولته وحتى عودته إلى وطنه.</span></p><h2><span style="font-size: medium;">شرح الجزء الأول: الطفولة وبداية الشقاء</span></h2><p><span style="font-size: medium;">يركز هذا الجزء على طفولة البطل داخل قرية ريفية مصرية في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث كان الفقر هو العنوان الأبرز للحياة. حُرم الطفل من التعليم واللعب، وأصبح يعمل في الحقول منذ صغره، يرعى الجاموسة، ويساعد والده في الزراعة.</span></p><p><span style="font-size: medium;">ويعرض الكاتب صورة الريف المصري قديمًا، حين كانت الأرض مصدر الرزق، وكانت العلاقات بين الناس تقوم على المحبة والاحترام والتكافل، قبل أن تتغير الأحوال مع مرور الزمن.</span></p><p><span style="font-size: medium;"><strong>الرسالة:</strong> الفقر قد يحرم الطفل من أبسط حقوقه، لكنه قد يصنع منه إنسانًا قويًا يتحمل المسؤولية منذ الصغر.</span></p><hr /><h2><span style="font-size: medium;">شرح الجزء الثاني: تعلم المهنة وبداية الوعي</span></h2><p><span style="font-size: medium;">ينتقل البطل من العمل في الزراعة إلى تعلم مهنة البناء، فيبدأ الاعتماد على نفسه، ويصبح مسؤولًا عن إعالة أسرته وهو لا يزال شابًا.</span></p><p><span style="font-size: medium;">وفي هذا الجزء تبدأ الأسئلة الكبرى في ذهنه، عندما يعلم أن أجداده كانوا يملكون أراضي واسعة، فيتساءل عن أسباب ضياعها، وكيف تحولت الأسرة من الغنى إلى الفقر.</span></p><p><span style="font-size: medium;">كما يصور هذا الجزء الحياة اليومية المليئة بالتعب، وغياب الأمل في تحسين المستقبل داخل القرية.</span></p><p><span style="font-size: medium;"><strong>الرسالة:</strong> الوعي يبدأ بالسؤال، ومعرفة الماضي تساعد الإنسان على فهم حاضره.</span></p><hr /><h2><span style="font-size: medium;">شرح الجزء الثالث: الرحيل عن الوطن</span></h2><p><span style="font-size: medium;">يُعد هذا الجزء من أكثر أجزاء القصة تأثيرًا، لأنه يصور لحظة الفراق بين البطل وأسرته.</span></p><p><span style="font-size: medium;">الأم تبكي بحرقة، بينما يعجز الأب عن وداع ابنه، فيهرب حتى لا يراه يغادر، لأن ألم الفراق كان أكبر من قدرته على الاحتمال.</span></p><p><span style="font-size: medium;">ثم تبدأ رحلة السفر الطويلة، حيث يواجه البطل الغربة للمرة الأولى، ويشعر بالخوف من المجهول، لكنه يجد أيضًا أشخاصًا يساعدونه ويقفون إلى جانبه.</span></p><p><span style="font-size: medium;"><strong>الرسالة:</strong> الغربة لا تبدأ عند عبور الحدود، بل تبدأ منذ لحظة وداع الأهل.</span></p><hr /><h2><span style="font-size: medium;">شرح الجزء الرابع: الوجه الحقيقي للغربة</span></h2><p><span style="font-size: medium;">يكشف هذا الجزء واقع حياة العمال المغتربين.</span></p><p><span style="font-size: medium;">يعيش البطل في غرفة متواضعة داخل حوش يضم عددًا كبيرًا من العمال، ويذهب كل صباح إلى مكان تجمع العمال انتظارًا لمن يستأجرهم للعمل.</span></p><p><span style="font-size: medium;">يشعر بالإهانة عندما يرى العمال يتسابقون للصعود إلى سيارات العمل، فيدرك أن لقمة العيش قد تجبر الإنسان على تحمل ما لا يرضاه لنفسه.</span></p><p><span style="font-size: medium;">لكن مع مرور الوقت يثبت كفاءته في مهنة البناء، ويصبح له اسم معروف بين الناس.</span></p><p><span style="font-size: medium;">وفي نهاية الجزء تأتي أكبر صدمة في حياته، وهي وفاة والده وهو بعيد عنه، فيشعر بعذاب الفراق لأنه لم يتمكن من توديعه للمرة الأخيرة.</span></p><p><span style="font-size: medium;"><strong>الرسالة:</strong> الغربة تمنح المال أحيانًا، لكنها قد تحرم الإنسان من أغلى لحظات حياته.</span></p><hr /><h2><span style="font-size: medium;">شرح الجزء الخامس: العودة والمحنة</span></h2><p><span style="font-size: medium;">بعد سنوات من العمل والنجاح، يقرر البطل العودة إلى وطنه، حاملًا الهدايا والحنين والاشتياق إلى أمه وقريته.</span></p><p><span style="font-size: medium;">لكن رحلة العودة لا تكون كما تمنى، إذ يتعرض للتحقيق والاحتجاز، ويقضي أيامًا من الخوف والقلق، ثم يُرحَّل إلى محافظته حتى تُستكمل الإجراءات.</span></p><p><span style="font-size: medium;">ورغم قسوة التجربة، فإن أجمل لحظاتها كانت لقاءه بوالدته بعد سنوات طويلة من الغياب، وهو لقاء امتزجت فيه دموع الفرح بآلام السنين.</span></p><p><span style="font-size: medium;"><strong>الرسالة:</strong> قد تنتهي الغربة، لكن آثارها تبقى محفورة في النفس، والعودة إلى الوطن ليست دائمًا نهاية المعاناة.</span></p><hr /><h2><span style="font-size: medium;">الفكرة العامة للقصة</span></h2><p><span style="font-size: medium;">تعرض القصة رحلة إنسان بدأ حياته طفلًا فقيرًا، وتحمل مسؤولية أسرته مبكرًا، ثم اضطر إلى الهجرة بحثًا عن الرزق، فعاش قسوة الغربة، ومرارة الفراق، وصعوبة العمل، حتى عاد إلى وطنه بعد سنوات طويلة وهو يحمل في قلبه ذكريات لا تُنسى.</span></p><h2><span style="font-size: medium;">أبرز القيم التي تحملها القصة&nbsp;الصبر على الشدائد. بر الوالدين والإخلاص للأسرة.</span></h2><ul><li><p><span style="font-size: medium;">قيمة العمل الشريف مهما كانت مشقته.&nbsp;الحنين الدائم إلى الوطن.&nbsp;التضحية من أجل لقمة العيش.</span></p></li><li><p><span style="font-size: medium;">الكفاح والإصرار على النجاح.&nbsp;التمسك بالأخلاق والقيم رغم قسوة الظروف.</span></p></li></ul><p><span style="font-size: medium;"><strong>وخلاصة القصة</strong> أن الغربة ليست مجرد انتقال من وطن إلى آخر، بل رحلة إنسانية مليئة بالاختبارات، قد تكسب الإنسان خبرةً ورزقًا، لكنها تأخذ منه سنوات العمر، ودفء الأسرة، ولحظات لا يمكن أن تعود مهما طال الزمن.</span></p><p><strong><span style="font-size: medium;"><br /></span></strong></p><p><strong><span style="font-size: medium;"><br /></span></strong></p>

شارك المقال مع أصدقائك

Whatsapp Twitter X Facebook
Author

الكاتب : عايد حبيب جندي الجبلي

عضو قصر ثقافة عبد الحميد رضوان كما كان مدير مكتب مصر اليوم العربية ومسئول عن مكتب الأهرام الآن سابقاً، وفى الوقت الحاضر هو مدير مكتب الموطنى. كما لديه كتابين منتشرين بشكل واسع في الأخبار

مواضيع ذات صلة قد تعجبك

التصنيفات:

روايات

تعليقات

إرسال تعليق

إظهار أحدث المقالات (تشغيل/إيقاف)

📝 قسم "أحدث المقالات" مفعل.
لإخفائه، قم بإلغاء تفعيل "إظهار الأداة".

تشغيل/إيقاف القائمة الجانبية

✅ لاظهار القائمة الجانبية قم بتفعيل هذه الأداة.
لإخفائها، قم بإلغاء تفعيل "إظهار الأداة" من الأعلى.

مواقع التواصل الاجتماعي

المشركات الاكثر مشاهدة

مشاركة مميزة

 قصة المغترب (الأجزاء الأول إلى الخامس)
يوليو 27, 2026

قصة المغترب (الأجزاء الأول إلى الخامس)

  حكي قصة المغترب سيرةً واقعية لإنسانٍ خرج من رحم المعاناة، وولد في قريةٍ صغيرة من قرى الريف المصري، حيث كانت الحياة بسيطة، لكنها مليئة بال...

التسميات

  • القسم الأدبي71
  • روايات15
  • رواية المرأة والثعبان10
  • مصطلحات24
  • مقالات104
  • سياسة الخصوصية
  • إخلاء المسؤولية
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا
  • من نحن
جميع الحقوق محفوظة © موقع تتحدث الحروف
تنبيهات جديدة
جاري التحميل...

المساعد الذكي للمدونة

أهلاً بك! أنا مساعدك الشخصي في مدونة موقع تتحدث الحروف. كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟ يمكنك سؤالي عن أي مقال أو موضوع في المدونة.

مدعوم بواسطة MOPlus

شرح وتوضيح الفقرة

مشاركة في التطبيقات الأخرى

Telegram
Whatsapp
Twitter
Facebook
Tumblr
Reddit
LinkedIn
Pinterest
Email
نسخ رابط المقال
6566094312122238998