ذا الجزء يحمل قيمة إنسانية كبيرة، لأنه يوثق لحظة الوداع الأولى، وصعوبة السفر في أوائل التسعينيات، وما فيها من مواقف لا تُنسى صنعتها شهامة الغرباء قبل أن يصنعها الأقارب.
الكاتب\ عايد حبيب جندي الجبلي الجزء الثالث من قصدة المغترب
في هذا الجزء من حكايتي يبدأ الفصل الأكثر وجعًا، فصل الفراق عن أسرتي، والرحيل عن قريتي التي احتضنت طفولتي، وعن أبي الذي كان وداعه أصعب من كل الطرق التي سلكتها بعد ذلك.
حين جاء موعد السفر، لم أجد أبي واقفًا ليودعني. بحثت عنه بعيني فلم أجده، فقد هرب من أمامي حتى لا يراني وأنا أغادر. لم يكن قسوةً منه، بل كان قلبه أضعف من أن يتحمل مشهد رحيلي. كان يعلم أنني ما زلت صغير السن، وأن الغربة أقوى من طفل لم يعرف من الدنيا سوى دفء أسرته وأزقة قريته.
سألت أمي والدموع تملأ عيني: "أين أبي يا أمي؟ ولماذا لم يودعني؟" فقالت وهي تكفكف دموعها:
"يا بني، إن أباك لا يريد أن يراك راحلًا، لأنه يريد أن تبقى حاضرًا في مخيلته كما أنت. لو وقف يودعك لانكسر قلبه، لذلك اختار أن يبتعد حتى لا يرى لحظة الفراق."
أما أمي، فلم تستطع أن تخفي دموعها. كانت تبكي بصمت، وكأن كل دمعة منها توصيني بأن أعود يومًا سالمًا. تركتها وهي تحمل في قلبها خوف الأم على ابنها، ومضيت إلى وجهتي، إلى طريق النفي المؤقت، الذي لم أكن أعلم أنه سيمتد سنوات طويلة، وأنه سيغيّر حياتي كلها.
كانت تلك آخر مرة أرى فيها أبي.
ولو كنت أعلم أن ذلك الرحيل سيكون الوداع الأخير، لما فكرت يومًا في السفر، ولجلست إلى جواره أملأ عيني من وجهه، وأستمع إلى صوته، وأتشبع بحضوره.
لم أعرف أبي كما يعرف الأبناء آباءهم منذ الطفولة. فقد وعيت على الدنيا وأنا في السادسة من عمري، ولم تبدأ علاقتي الحقيقية به إلا عندما بلغت الحادية عشرة. ست سنوات فقط عشتها وأنا أدرك معنى وجوده، وأتعلم منه الصبر والرجولة والكفاح، ثم جاء السفر ليسرق تلك السنوات القليلة، ويأخذ مني أبي إلى الأبد.
رحلت وأنا أظن أنني سأعود بعد فترة قصيرة، لكن الأيام خبأت لي قدرًا آخر. رحل أبي إلى الفناء الأبدي، وبقيت أنا أحمل صورته في قلبي، بينما كان يظن هو أنه يحمل صورتي في مخيلته.
تركت قريتي بكل ما فيها؛ تركت هدوءها، وعادات أهلها الطيبة، وأخلاق الرجل الريفي الأصيل، وتركت أمي التي حملتني في أحشائها، وأمي الأخرى التي تربيت بين أحضانها، قريتي التي علمتني الصبر رغم قسوة الحياة وضيق الرزق.
تركت أبي وأنا أحمل حلمًا بسيطًا؛ أن أحسن دخلي، وأن أبني بيتًا، وأن أتزوج، وأن أحقق شيئًا من الكرامة التي يبحث عنها كل شاب. لكنني لم أكن أعلم أن الطريق إلى ذلك الحلم مفروش بالحرمان، وأن الغربة ستنتزع مني أشياء لا تعوض.
تركت أبي، وأمي، وإخوتي، وجيراني، كما ترك كثير من أبناء قريتي أهلهم بحثًا عن لقمة العيش. خرجت من قريتي إلى المحافظة، ومنها إلى العاصمة، ثم إلى محطة الحافلات التي تنقل المسافرين إلى الدول العربية.
ركبت الحافلة، وأنا لا أعرف شيئًا عن الطرق ولا عن المدن التي سنمر بها. كان كل شيء جديدًا عليّ. لم أكن قد سافرت من قبل إلا إلى مركز المحافظة، أما الآن فقد أصبحت أسير في رحلة طويلة نحو المجهول.
كانت عيناي تتأملان الطرق الممتدة بلا نهاية، والقرى والمدن التي لم أرها من قبل، بينما كان قلبي يزداد خوفًا كلما ابتعدت الحافلة عن قريتي.
سرنا طوال الليل، حتى أشرقت شمس اليوم التالي. وعند الساعة الرابعة عصرًا توقفت الحافلة، ونزل السائق ينادي أسماء المحافظات التي يمر بها.
لم أكن أعرف أين نحن، ولا اسم المحافظة التي توقفنا فيها، لكنني كنت قد أخبرت السائق منذ بداية الرحلة باسم المحافظة التي أقصدها، فلم ينسَ كلامي.
نادى بصوت مرتفع: "أين الولد الذي قال إنه نازل في هذه المحافظة؟" فأجبت سريعًا: "أنا... نعم، أنا."
نزلت من الحافلة، ووقفت أنظر يمينًا ويسارًا، فلا أعرف طريقًا، ولا وجهًا مألوفًا، ولا أدري كيف أصل إلى الرجل الذي أرسل لي عنوانه في شريط كاسيت مسجل، إذ لم يكن قد كتبه في ورقة.
سألني السائق: "هل تعرف كيف تصل إلى وجهتك؟" قلت: "لا، لكن الرجل الذي استدعاني سجل لي العنوان بصوته على شريط كاسيت." تعجب السائق وقال: "أخبرني بالعنوان." فذكرته له، فهز رأسه، وأمسك بيدي، بينما كنت أحمل حقيبة في يد، وهو يحمل الأخرى، وسار بي حتى وصل إلى موقف السيارات التي تتجه إلى المحافظة المطلوبة.
وجد مجموعة من السائقين، فسلم عليهم وقال: "هذا الفتى يريد الذهاب إلى المكان الفلاني، فهل توجد سيارة متجهة إليه؟"
فأجابه أحدهم: "نعم، هذه السيارة ستذهب إلى هناك." سلمني السائق إليهم، ثم ودعني بعدما اطمأن عليّ.
ولا يزال ذلك الموقف الإنساني محفورًا في ذاكرتي منذ عام 1991. لم يكن يعرفني، ولم يكن بيننا أي صلة، لكنه عاملني كأنني ابنه. فشكرًا لذلك السائق المصري الذي لم يتركني تائهًا في مدينة لا أعرفها.
ركبت سيارة يقودها سائق من إحدى الدول العربية. جلست فيها من الخامسة حتى السادسة مساءً، لكن السيارة لم تكتمل بالركاب، فاقترب مني السائق وطلب مني النزول، إلا أنه تحدث بلهجته المحلية، فلم أفهم ما يقوله.
كان يكرر كلامه بسرعة، ولم أستوعب سوى عبارة: "أنت ما تسمع؟" فغضبت، وأجبته بلهجتي الصعيدية المتحمسة، ظنًا مني أنه يسيء معاملتي.
ابتسم الرجل، وأدرك أنني غريب عن المكان، ثم قال بلهجة مصرية مكسرة تأثرًا بما كان يسمعه في المسلسلات الصعيدية: "أنت أول مرة تيجي هنا؟" قلت: "نعم." فأخذني إلى سيارة أخرى، وقال لسائقها: "انتبه لهذا الفتى، فهو جديد ولا يعرف شيئًا."
انتظرت في السيارة الثانية حتى الثامنة مساءً، لكنها أيضًا لم تكتمل، فنقلت إلى سيارة ثالثة.
وفي هذه المرة اكتمل عدد الركاب، وتحركنا نحو وجهتنا في حوالي الثامنة والنصف مساءً.
وصلنا قرابة العاشرة ليلًا إلى مكان ظننته وجهتي، لكنني اكتشفت أنه ليس المكان الذي كنت أقصده.
توقفت السيارة بجوار مجموعة من المصريين، وقال السائق: "يا فتى، انزل... لقد وصلنا." سألته: "هل هذا هو المكان المعروف باسم نادي درنس؟" قال: "نعم." فنزلت، ووضعت حقائبي بجوار الرجال، ثم انطلقت السيارة.
نظر إليّ أحدهم، وعرفت فيما بعد أن اسمه "كرم"، وكان اسمه يوافق أخلاقه فعلًا. سألني: "جئت عند مَن؟ ومن الشخص الذي سيستقبلك؟" أجبته، وأنا في غاية التعب والإرهاق، حتى إنني كنت بالكاد أستطيع الوقوف.
فقال لي: "هل تناولت العشاء؟" قلت: "لا." فأحضر لي كوبًا من الحليب وبعض الطعام، ثم فرش لي مكانًا لأنام فيه.
كانت تلك الليلة أول ليلة أقضيها بعيدًا عن أهلي، لكنها كانت أيضًا أول مرة أجد فيها إنسانًا يخفف عني وحشة الغربة.
وفي صباح اليوم التالي، أوقف لي سيارة أجرة، وأوصلني إلى نادي درنس، وهناك التقيت بأحد أقاربي، ثم ودعني الرجل بعد أن أدى واجبه بكل شهامة.
وهكذا بدأت رحلتي الحقيقية مع الغربة، رحلة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت انتقالًا من براءة الطفولة إلى قسوة الحياة، ومن دفء الأسرة إلى وحدة المسافر.
وفي الجزء الرابع، سأروي تفاصيل الغربة، وما حملته من تعبٍ جسدي، وصراعٍ فكري، وتجاربٍ صنعت ما أنا عليه اليوم
شرح القصة
يروي هذا الجزء من قصة «المغترب» بداية الرحلة الحقيقية إلى الغربة، وهي ليست رحلة انتقال من مكان إلى آخر فحسب، بل رحلة اقتلاع من الجذور، وانتقال من دفء الأسرة إلى قسوة المجهول.
تبدأ القصة بمشهد الوداع المؤلم، حيث يكتشف الراوي أن والده لم يحضر لتوديعه. ويبدو هذا التصرف في ظاهره قسوة، لكنه في حقيقته تعبير عن حبٍ عميق؛ فالأب لم يحتمل رؤية ابنه الصغير يغادر، فاختار أن يبتعد حتى لا ينكسر أمامه. أما الأم، فكانت تحمل ألم الفراق بدموعها وكلماتها التي كشفت للابن حقيقة مشاعر أبيه.
ثم ينتقل السرد إلى لحظة الرحيل، حيث يغادر الكاتب قريته حاملًا أحلامًا بسيطة؛ أن يحسن دخله، ويبني بيتًا، ويكوّن أسرة، لكنه لا يدرك أن ثمن تلك الأحلام سيكون الابتعاد عن والديه، وأن ذلك الوداع سيكون الأخير لأبيه، وهو ما يضفي على القصة بعدًا مأساويًا مؤثرًا.
وتتطور الأحداث إلى رحلة السفر الطويلة، حيث يعيش الراوي حالة من الخوف والارتباك، فهو شاب صغير لم يسبق له السفر لمسافات بعيدة، ولا يعرف المدن أو الطرق أو اللهجات المختلفة. لذلك يشعر بالغربة منذ اللحظة الأولى، ويزداد إحساسه بالوحدة كلما ابتعد عن قريته.
ورغم قسوة الرحلة، تبرز القصة قيمة إنسانية عظيمة، وهي شهامة الغرباء. فالسائق المصري لم يتركه تائهًا، بل أمسك بيده وأوصله إلى موقف السيارات المناسب، ثم تعاقب السائقون على مساعدته حتى يصل إلى وجهته. كما يجد رجلًا كريمًا يستقبله، ويقدم له الطعام والمبيت بعد يوم طويل من التعب، ليؤكد أن الرحمة قد تأتي من أشخاص لا تجمعنا بهم أي صلة.
كما يبرز النص الصدام الثقافي الذي يعيشه المغترب في بداية سفره، عندما لا يفهم لهجة السائق العربي، فيظن أنه يعامله بقسوة، قبل أن يكتشف أن المشكلة كانت في اختلاف اللهجات لا في سوء النية. وهذا يعكس الصعوبات الأولى التي يواجهها كل مغترب عند دخوله بيئة جديدة.
وفي النهاية، يصل الراوي إلى المكان الذي سيبدأ منه فصل جديد من حياته، وقد أصبح أكثر إدراكًا أن الغربة ليست مجرد مسافة جغرافية، بل تجربة تصنع الإنسان، وتمتحن صبره، وتكشف له معادن الناس.
الرسالة التي تحملها القصة هي أن البحث عن لقمة العيش قد يفرض على الإنسان أن يترك أغلى ما يملك، وأن الغربة قد تسلبه لحظات لا تعوض، لكنها في الوقت نفسه تعلّمه الاعتماد على النفس، وتجعله يؤمن بأن الخير ما زال موجودًا في قلوب الناس، وأن الشهامة والرحمة قد يجدها المسافر عند الغرباء قبل الأقربين.
<p> <span style="font-size: medium;">ذا الجزء يحمل قيمة إنسانية كبيرة، لأنه يوثق لحظة الوداع الأولى، وصعوبة السفر في أوائل التسعينيات، وما فيها من مواقف لا تُنسى صنعتها شهامة الغرباء قبل أن يصنعها الأقارب.</span></p><div class="qMYqUG_convSearchResultHighlightRoot"><div class="" data-is-intersecting="true" data-turn-id-container="request-WEB:2061637e-b96e-4173-8199-96ab32090808-0"><section class="text-token-text-primary w-full focus:outline-none has-data-writing-block:pointer-events-none [&:has([data-writing-block])>*]:pointer-events-auto R6Vx5W_threadScrollVars scroll-mb-[calc(var(--scroll-root-safe-area-inset-bottom,0px)+var(--thread-response-height))] scroll-mt-[calc(var(--header-height)+min(200px,max(70px,20svh)))]" data-testid="conversation-turn-2" data-turn-id-container="request-WEB:2061637e-b96e-4173-8199-96ab32090808-0" data-turn-id="request-WEB:2061637e-b96e-4173-8199-96ab32090808-0" data-turn="assistant" dir="auto"><div class="text-base my-auto mx-auto pb-15 [--thread-content-margin:var(--thread-content-margin-xs,calc(var(--spacing)*4))] @w-sm/main:[--thread-content-margin:var(--thread-content-margin-sm,calc(var(--spacing)*6))] @w-lg/main:[--thread-content-margin:var(--thread-content-margin-lg,calc(var(--spacing)*16))] px-(--thread-content-margin)"><div class="[--thread-content-max-width:40rem] @w-lg/main:[--thread-content-max-width:48rem] mx-auto max-w-(--thread-content-max-width) flex-1 group/turn-messages focus-visible:outline-hidden relative flex w-full min-w-0 flex-col agent-turn" data-conversation-screenshot-content=""><div class="flex max-w-full flex-col gap-4 grow"><div class="min-h-8 text-message relative flex w-full flex-col items-end gap-2 text-start break-words whitespace-normal outline-none keyboard-focused:focus-ring [.text-message+&]:mt-1" data-message-author-role="assistant" data-message-id="80d5a8bf-ddde-47d8-b5d0-13fb07fd7b37" data-message-model-slug="gpt-5-5" data-turn-start-message="true" dir="auto" tabindex="0"><div class="flex w-full flex-col gap-1 empty:hidden"><div class="markdown prose dark:prose-invert wrap-break-word w-full light markdown-new-styling"><p class="PDq2pG_selectionAnchorContainer" data-end="6066" data-is-last-node="" data-is-only-node="" data-start="5890"><span style="font-size: medium;"><span aria-hidden="true" class="PDq2pG_selectionAnchor"></span></span></p></div></div></div></div><div class="z-0 flex min-h-[46px] justify-start"></div><div class="mt-3 w-full empty:hidden"><div class="text-center"></div></div></div><div class="[--thread-content-max-width:40rem] @w-lg/main:[--thread-content-max-width:48rem] mx-auto max-w-(--thread-content-max-width) flex-1" data-conversation-screenshot-content=""><div></div></div></div></section></div></div><div aria-hidden="true" class="pointer-events-none -mt-px h-px translate-y-(--scroll-root-safe-area-inset-bottom)"></div><p></p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEiZ4o_PiVv_llPDDg293BV5-VDUgHnbr3ykBmJSVmPIsudBR_JZteVmL-94HEZbEjSNi_MsmjGCQquCJq7LdOzbbTwfo3Edk-aEptKQbCxs-vmy5Ja7GJp8pQ9T3iMdwWA80JaMUeLzXQDZl-klOckO6ilbb_veWqNTYx8gKtI6ICMJvwnZUNAnQixZeIkh" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img alt="الجزء الثالث من قصدة المغترب" data-original-height="1198" data-original-width="1313" height="584" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEiZ4o_PiVv_llPDDg293BV5-VDUgHnbr3ykBmJSVmPIsudBR_JZteVmL-94HEZbEjSNi_MsmjGCQquCJq7LdOzbbTwfo3Edk-aEptKQbCxs-vmy5Ja7GJp8pQ9T3iMdwWA80JaMUeLzXQDZl-klOckO6ilbb_veWqNTYx8gKtI6ICMJvwnZUNAnQixZeIkh=w640-h584-rw" title="الجزء الثالث من قصدة المغترب" width="640" /></a></div><br /><span style="font-size: large;"><b>الكاتب\ عايد حبيب جندي الجبلي </b></span><p></p><h1><span style="font-size: medium;">الجزء الثالث من قصدة المغترب </span></h1><p><span style="font-size: medium;"><b>في هذا الجزء من حكايتي يبدأ الفصل الأكثر وجعًا، فصل الفراق عن أسرتي، والرحيل عن قريتي التي احتضنت طفولتي، وعن أبي الذي كان وداعه أصعب من كل الطرق التي سلكتها بعد ذلك.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>حين جاء موعد السفر، لم أجد أبي واقفًا ليودعني. بحثت عنه بعيني فلم أجده، فقد هرب من أمامي حتى لا يراني وأنا أغادر. لم يكن قسوةً منه، بل كان قلبه أضعف من أن يتحمل مشهد رحيلي. كان يعلم أنني ما زلت صغير السن، وأن الغربة أقوى من طفل لم يعرف من الدنيا سوى دفء أسرته وأزقة قريته.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>سألت أمي والدموع تملأ عيني: "أين أبي يا أمي؟ ولماذا لم يودعني؟" </b></span><b style="font-size: large;">فقالت وهي تكفكف دموعها:</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>"يا بني، إن أباك لا يريد أن يراك راحلًا، لأنه يريد أن تبقى حاضرًا في مخيلته كما أنت. لو وقف يودعك لانكسر قلبه، لذلك اختار أن يبتعد حتى لا يرى لحظة الفراق."</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أما أمي، فلم تستطع أن تخفي دموعها. كانت تبكي بصمت، وكأن كل دمعة منها توصيني بأن أعود يومًا سالمًا. تركتها وهي تحمل في قلبها خوف الأم على ابنها، ومضيت إلى وجهتي، إلى طريق النفي المؤقت، الذي لم أكن أعلم أنه سيمتد سنوات طويلة، وأنه سيغيّر حياتي كلها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت تلك آخر مرة أرى فيها أبي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ولو كنت أعلم أن ذلك الرحيل سيكون الوداع الأخير، لما فكرت يومًا في السفر، ولجلست إلى جواره أملأ عيني من وجهه، وأستمع إلى صوته، وأتشبع بحضوره.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم أعرف أبي كما يعرف الأبناء آباءهم منذ الطفولة. فقد وعيت على الدنيا وأنا في السادسة من عمري، ولم تبدأ علاقتي الحقيقية به إلا عندما بلغت الحادية عشرة. ست سنوات فقط عشتها وأنا أدرك معنى وجوده، وأتعلم منه الصبر والرجولة والكفاح، ثم جاء السفر ليسرق تلك السنوات القليلة، ويأخذ مني أبي إلى الأبد.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>رحلت وأنا أظن أنني سأعود بعد فترة قصيرة، لكن الأيام خبأت لي قدرًا آخر. رحل أبي إلى الفناء الأبدي، وبقيت أنا أحمل صورته في قلبي، بينما كان يظن هو أنه يحمل صورتي في مخيلته.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تركت قريتي بكل ما فيها؛ تركت هدوءها، وعادات أهلها الطيبة، وأخلاق الرجل الريفي الأصيل، وتركت أمي التي حملتني في أحشائها، وأمي الأخرى التي تربيت بين أحضانها، قريتي التي علمتني الصبر رغم قسوة الحياة وضيق الرزق.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تركت أبي وأنا أحمل حلمًا بسيطًا؛ أن أحسن دخلي، وأن أبني بيتًا، وأن أتزوج، وأن أحقق شيئًا من الكرامة التي يبحث عنها كل شاب. لكنني لم أكن أعلم أن الطريق إلى ذلك الحلم مفروش بالحرمان، وأن الغربة ستنتزع مني أشياء لا تعوض.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تركت أبي، وأمي، وإخوتي، وجيراني، كما ترك كثير من أبناء قريتي أهلهم بحثًا عن لقمة العيش. خرجت من قريتي إلى المحافظة، ومنها إلى العاصمة، ثم إلى محطة الحافلات التي تنقل المسافرين إلى الدول العربية.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ركبت الحافلة، وأنا لا أعرف شيئًا عن الطرق ولا عن المدن التي سنمر بها. كان كل شيء جديدًا عليّ. لم أكن قد سافرت من قبل إلا إلى مركز المحافظة، أما الآن فقد أصبحت أسير في رحلة طويلة نحو المجهول.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت عيناي تتأملان الطرق الممتدة بلا نهاية، والقرى والمدن التي لم أرها من قبل، بينما كان قلبي يزداد خوفًا كلما ابتعدت الحافلة عن قريتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>سرنا طوال الليل، حتى أشرقت شمس اليوم التالي. وعند الساعة الرابعة عصرًا توقفت الحافلة، ونزل السائق ينادي أسماء المحافظات التي يمر بها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم أكن أعرف أين نحن، ولا اسم المحافظة التي توقفنا فيها، لكنني كنت قد أخبرت السائق منذ بداية الرحلة باسم المحافظة التي أقصدها، فلم ينسَ كلامي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>نادى بصوت مرتفع: "أين الولد الذي قال إنه نازل في هذه المحافظة؟" فأجبت سريعًا: "أنا... نعم، أنا."</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>نزلت من الحافلة، ووقفت أنظر يمينًا ويسارًا، فلا أعرف طريقًا، ولا وجهًا مألوفًا، ولا أدري كيف أصل إلى الرجل الذي أرسل لي عنوانه في شريط كاسيت مسجل، إذ لم يكن قد كتبه في ورقة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>سألني السائق: "هل تعرف كيف تصل إلى وجهتك؟" قلت: "لا، لكن الرجل الذي استدعاني سجل لي العنوان بصوته على شريط كاسيت." تعجب السائق وقال: "أخبرني بالعنوان." فذكرته له، فهز رأسه، وأمسك بيدي، بينما كنت أحمل حقيبة في يد، وهو يحمل الأخرى، وسار بي حتى وصل إلى موقف السيارات التي تتجه إلى المحافظة المطلوبة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وجد مجموعة من السائقين، فسلم عليهم وقال: "هذا الفتى يريد الذهاب إلى المكان الفلاني، فهل توجد سيارة متجهة إليه؟"</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فأجابه أحدهم: "نعم، هذه السيارة ستذهب إلى هناك." سلمني السائق إليهم، ثم ودعني بعدما اطمأن عليّ.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ولا يزال ذلك الموقف الإنساني محفورًا في ذاكرتي منذ عام 1991. لم يكن يعرفني، ولم يكن بيننا أي صلة، لكنه عاملني كأنني ابنه. فشكرًا لذلك السائق المصري الذي لم يتركني تائهًا في مدينة لا أعرفها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ركبت سيارة يقودها سائق من إحدى الدول العربية. جلست فيها من الخامسة حتى السادسة مساءً، لكن السيارة لم تكتمل بالركاب، فاقترب مني السائق وطلب مني النزول، إلا أنه تحدث بلهجته المحلية، فلم أفهم ما يقوله.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كان يكرر كلامه بسرعة، ولم أستوعب سوى عبارة: "أنت ما تسمع؟" فغضبت، وأجبته بلهجتي الصعيدية المتحمسة، ظنًا مني أنه يسيء معاملتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ابتسم الرجل، وأدرك أنني غريب عن المكان، ثم قال بلهجة مصرية مكسرة تأثرًا بما كان يسمعه في المسلسلات الصعيدية: "أنت أول مرة تيجي هنا؟" قلت: "نعم." فأخذني إلى سيارة أخرى، وقال لسائقها: "انتبه لهذا الفتى، فهو جديد ولا يعرف شيئًا."</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>انتظرت في السيارة الثانية حتى الثامنة مساءً، لكنها أيضًا لم تكتمل، فنقلت إلى سيارة ثالثة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي هذه المرة اكتمل عدد الركاب، وتحركنا نحو وجهتنا في حوالي الثامنة والنصف مساءً.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وصلنا قرابة العاشرة ليلًا إلى مكان ظننته وجهتي، لكنني اكتشفت أنه ليس المكان الذي كنت أقصده.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>توقفت السيارة بجوار مجموعة من المصريين، وقال السائق: "يا فتى، انزل... لقد وصلنا." سألته: "هل هذا هو المكان المعروف باسم نادي درنس؟" قال: "نعم." فنزلت، ووضعت حقائبي بجوار الرجال، ثم انطلقت السيارة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>نظر إليّ أحدهم، وعرفت فيما بعد أن اسمه "كرم"، وكان اسمه يوافق أخلاقه فعلًا. سألني: "جئت عند مَن؟ ومن الشخص الذي سيستقبلك؟" أجبته، وأنا في غاية التعب والإرهاق، حتى إنني كنت بالكاد أستطيع الوقوف.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقال لي: "هل تناولت العشاء؟" قلت: "لا." فأحضر لي كوبًا من الحليب وبعض الطعام، ثم فرش لي مكانًا لأنام فيه.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت تلك الليلة أول ليلة أقضيها بعيدًا عن أهلي، لكنها كانت أيضًا أول مرة أجد فيها إنسانًا يخفف عني وحشة الغربة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي صباح اليوم التالي، أوقف لي سيارة أجرة، وأوصلني إلى نادي درنس، وهناك التقيت بأحد أقاربي، ثم ودعني الرجل بعد أن أدى واجبه بكل شهامة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وهكذا بدأت رحلتي الحقيقية مع الغربة، رحلة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت انتقالًا من براءة الطفولة إلى قسوة الحياة، ومن دفء الأسرة إلى وحدة المسافر.</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">وفي الجزء الرابع، سأروي تفاصيل الغربة، وما حملته من تعبٍ جسدي، وصراعٍ فكري، وتجاربٍ صنعت ما أنا عليه </span></strong><strong><span style="font-size: medium;">اليوم<span></span></span></strong></p><a name="more"></a><p></p><p><strong><span style="font-size: medium;">شرح القصة <br /><br /></span></strong></p><p><span style="font-size: medium;">يروي هذا الجزء من قصة <strong>«المغترب»</strong> بداية الرحلة الحقيقية إلى الغربة، وهي ليست رحلة انتقال من مكان إلى آخر فحسب، بل رحلة اقتلاع من الجذور، وانتقال من دفء الأسرة إلى قسوة المجهول.</span></p><p><span style="font-size: medium;">تبدأ القصة بمشهد الوداع المؤلم، حيث يكتشف الراوي أن والده لم يحضر لتوديعه. ويبدو هذا التصرف في ظاهره قسوة، لكنه في حقيقته تعبير عن حبٍ عميق؛ فالأب لم يحتمل رؤية ابنه الصغير يغادر، فاختار أن يبتعد حتى لا ينكسر أمامه. أما الأم، فكانت تحمل ألم الفراق بدموعها وكلماتها التي كشفت للابن حقيقة مشاعر أبيه.</span></p><p><span style="font-size: medium;">ثم ينتقل السرد إلى لحظة الرحيل، حيث يغادر الكاتب قريته حاملًا أحلامًا بسيطة؛ أن يحسن دخله، ويبني بيتًا، ويكوّن أسرة، لكنه لا يدرك أن ثمن تلك الأحلام سيكون الابتعاد عن والديه، وأن ذلك الوداع سيكون الأخير لأبيه، وهو ما يضفي على القصة بعدًا مأساويًا مؤثرًا.</span></p><p><span style="font-size: medium;">وتتطور الأحداث إلى رحلة السفر الطويلة، حيث يعيش الراوي حالة من الخوف والارتباك، فهو شاب صغير لم يسبق له السفر لمسافات بعيدة، ولا يعرف المدن أو الطرق أو اللهجات المختلفة. لذلك يشعر بالغربة منذ اللحظة الأولى، ويزداد إحساسه بالوحدة كلما ابتعد عن قريته.</span></p><p><span style="font-size: medium;">ورغم قسوة الرحلة، تبرز القصة قيمة إنسانية عظيمة، وهي <strong>شهامة الغرباء</strong>. فالسائق المصري لم يتركه تائهًا، بل أمسك بيده وأوصله إلى موقف السيارات المناسب، ثم تعاقب السائقون على مساعدته حتى يصل إلى وجهته. كما يجد رجلًا كريمًا يستقبله، ويقدم له الطعام والمبيت بعد يوم طويل من التعب، ليؤكد أن الرحمة قد تأتي من أشخاص لا تجمعنا بهم أي صلة.</span></p><p><span style="font-size: medium;">كما يبرز النص الصدام الثقافي الذي يعيشه المغترب في بداية سفره، عندما لا يفهم لهجة السائق العربي، فيظن أنه يعامله بقسوة، قبل أن يكتشف أن المشكلة كانت في اختلاف اللهجات لا في سوء النية. وهذا يعكس الصعوبات الأولى التي يواجهها كل مغترب عند دخوله بيئة جديدة.</span></p><p><span style="font-size: medium;">وفي النهاية، يصل الراوي إلى المكان الذي سيبدأ منه فصل جديد من حياته، وقد أصبح أكثر إدراكًا أن الغربة ليست مجرد مسافة جغرافية، بل تجربة تصنع الإنسان، وتمتحن صبره، وتكشف له معادن الناس.</span></p><p><span style="font-size: medium;"><strong>الرسالة التي تحملها القصة</strong> هي أن البحث عن لقمة العيش قد يفرض على الإنسان أن يترك أغلى ما يملك، وأن الغربة قد تسلبه لحظات لا تعوض، لكنها في الوقت نفسه تعلّمه الاعتماد على النفس، وتجعله يؤمن بأن الخير ما زال موجودًا في قلوب الناس، وأن الشهامة والرحمة قد يجدها المسافر عند الغرباء قبل الأقربين.</span></p>
تعليقات
إرسال تعليق