يروي هذا الجزء من «المغترب» رحلةً واقعية مؤلمة لإنسانٍ عاد إلى وطنه بعد سبع سنواتٍ من الغربة، يحمل في قلبه الشوق إلى أمه، وفي يديه حقائب الهدايا، لكنه وجد نفسه بدلًا من أن يُستقبل بالأحضان، يُستقبل بالتحقيقات والشكوك والقيود. وبين ذكريات الطفولة ومرارة الفراق
الكاتب \عايد حبيب جندي الجبلي أكتب لكم كل ما جرى بصدقٍ وأمانة، دون أن أستعين بخيالي في هذه القصة، ودون أن أضيف إليها حرفًا واحدًا. بل إنني، على العكس، نسيت بعض أحداثها مع مرور الزمن، وهناك وقائع أخرى آثرت ألا أذكرها احترامًا لأشخاصٍ لا أريد أن أجرح مشاعرهم أو أسيء إليهم بذكر أسمائهم. فقد كانت لهم مواقف يفتقر بعضها إلى روح الوطنية تجاه أبناء وطنٍ واحد، ولم أشأ أن أخوض في تفاصيلها، مكتفيًا بأن يقرأ القارئ ما بين السطور، ويفهم ما أخفيته كما فهم ما رويته. بعد وفاة أبي، واصلت حياتي العملية في مهنتي. وفي أحد الأيام جاءني أحد المواطنين وقال لي:
– أنا أقوم ببناء مسجد، وأريدك أن تتولى بناءه. فقلت له: نعم، وعلى الرحب والسعة، فهذا شرفٌ عظيمٌ لي.
فقال: أنا أعلم أنك تختلف عنا في العقيدة، لكن ذلك لا يفرق عندي. فأجبته بكل احترام:
– بل أنا الذي أتشرف ببناء بيتٍ من بيوت الله.
اتفقنا على الأجر، وبدأت العمل في بناء مسجد الحسين في إحدى بلدات المحافظة التي كنت أقيم فيها، ضمن منطقة الساحل الشرقي.
وبعد أيامٍ وشهور، جاءني رجلٌ آخر، وطلب مني بناء مسجدٍ آخر في منطقة تُسمى شيحا الشرقية، فنلت شرف المساهمة في بناء المسجدين، وكان ذلك من أجمل الأعمال التي تشرفت بها خلال سنوات غربتي.
واستمرت حياتي على هذا النمط من العمل منذ عام 1991 وحتى عام 1997، دون أن أعود إلى وطني ولو مرةً واحدة. مرت سبع سنوات كاملة لم تطأ خلالها قدماي أرض قريتي. فمنذ وفاة أبي لم تعد لديَّ رغبة في العودة، فقد تعفنت أحلامي، وانطفأت في داخلي أمنيات كثيرة، ولم أعد أرغب في شيء سوى رؤية أمي، فقد اشتقت إلى حنانها ودفء قلبها.
اشتريت الهدايا للأقارب، وأعددت حقيبتين استعدادًا للعودة إلى الوطن، إلى ذكريات الطفولة، وإلى الشوارع التي حفظت خطواتي، والجدران التي شهدت سنوات صباي، والحقول، والجاموسة التي كانت جزءًا من طفولتي البسيطة.
مددت يدي إلى حقيبتي القديمة المعلقة في سقف غرفة الزنك، ذلك السقف الذي اعتاد جسدي حرارته في الصيف وبرده القارس في الشتاء. وبين أغراضي وجدت بطاقتي الشخصية التي غابت عن عيني سنواتٍ طويلة، حتى كدت أنساها كما نسيت أشياء كثيرة في حياتي.
أخرجتها، فإذا بصورتي قد تمزقت، والغلاف البلاستيكي قد تهشم من شدة الحرارة وتقادم السنين. لم يبق من البطاقة إلا الاسم، والعنوان، واسم الوطن، أما بقية معالمها فقد تآكلت، تمامًا كما تآكلت سنوات عمري في الغربة، وحرماني من وطني ووالديَّ. وقفت أنظر إليها طويلًا، ثم قلت في نفسي: ما العمل؟ وكيف سأثبت أنني مصري؟
لم يبق معي ما يثبت هويتي سوى لهجتي المصرية، وحتى تلك اختلطت بلهجة أهل المحافظة التي عشت فيها، وتأثرت بعاداتهم وتقاليدهم البدوية، بعد سنواتٍ طويلة قضيتها بينهم.
فتركت أمري لله، وحملت أمتعتي، واستأجرت سيارة مرسيدس متجهة إلى منفذ الجمارك المصرية، وأنا لا أعلم أن رحلة العودة إلى الوطن ستكون بداية معاناة جديدة، لم تكن تخطر على بالي.
ومرت السنون، وتراكمت فوقها سنوات الحرمان من الوطن ومن والديَّ، حتى نظرت إلى بطاقتي الشخصية وقلت في نفسي: وما العمل؟ ماذا سأفعل؟
لم يعد هناك ما يثبت أنني مصري سوى لهجتي المصرية، وحتى تلك اختلطت بلهجة أهل المحافظة التي كنت أعيش فيها، وتأثرت بعاداتهم وتقاليدهم العربية البدوية بعد سنواتٍ طويلة من الغربة.
تركت أمري لله، وحملت أمتعتي، واستقللت سيارة مرسيدس أجرة يقودها سائق من المحافظة التي كنت أقيم فيها، وانطلقنا نحو منفذ الجمارك المصرية. وصلنا إلى المنفذ، وأنزلنا الحقائب، فتقدم مني ضابط مصري وقال:
– هات بطاقتك. ناولته البطاقة وأنا متردد، يملؤني الخوف من مصيرٍ شعرت أنه يقترب مني.
أخذ البطاقة، وأطال النظر فيها، ثم قال: دي بطاقتك؟ قلت نعم يا فندم، هذه بطاقتي. ثم سألني: فين حقائبك؟ أشرت إليها، فقال: احملها وتعال معي.
كانت الحقائب ثقيلة جدًا لكثرة الهدايا التي بداخلها، فطلبت من أحد الركاب أن يساعدني، فحمل واحدة، وحملت الأخرى، ثم اتجهنا نحو مبنى تحيط به حراسة مشددة، يقف أمامه رجال أمن مدججون بالسلاح.
طال انتظاري أمام المكتب، فاستعجل سائق السيارة وقال لي: الركاب غاضبون، وسوف أغادر. فقلت له: امضِ ولا تنتظرني.
غادرت السيارة، بينما بقي الرجل الذي ساعدني في حمل الحقائب، رافضًا أن يتركني وحدي، فقد أراد أن يطمئن عليَّ قبل أن يغادر. وبعد قليل نادى أحدهم: فلان بن فلان... تفضل إلى ضابط أمن الدولة. دخلت المكتب، وكانت عيناي تدوران في المكان من شدة الخوف والارتباك. قال لي الضابط: ما اسمك؟ فأجبته باسمي، واسم أبي، وجدي.
ثم قال: من أي محافظة أنت؟ أجبته، فبدأ يطرح عليَّ سيلًا من الأسئلة:
– لماذا بقيت كل هذه السنوات في الغربة؟ ولماذا لم تنزل إلى بلدك ولو مرة واحدة؟ وكيف تمضي سبع سنوات كاملة بعيدًا عن وطنك؟ وما الذي يجعلك تطيل الغربة إلى هذا الحد، خاصة أنك سافرت في وقت كان يسمح فيه بالدخول والخروج بالبطاقة؟
كانت أسئلة كثيرة لم أكن مستعدًا لها، ولم تخطر ببالي يومًا. ولم أجد جوابًا أكرره سوى كلمة واحدة: من أجل لقمة العيش يا باشا. فقال لي: وهل لقمة العيش تستحق أن تبقى أكثر من ست سنوات بعيدًا عن أهلك؟
ثم سألني: كان عمرك كام لما سافرت؟ قلت: كان عمري ثمانية عشر عامًا. فقال: يعني كنت لا تزال شابًا صغيرًا، فكيف وافق أبواك على سفرك؟ فأجبته للمرة الثانية: من أجل لقمة العيش يا باشا. التفت إلى أمين الشرطة وقال:
– خذه إلى الخارج. خرجت مع أمين الشرطة، وسألته وأنا خائف ومرتعش: ماذا سيفعلون بي؟ فقال ببرود:
– لا أعرف. ثم أشار إليَّ بيده، وقال بلهجة حادة: اقعد هنا... وما أسمعش نفسك... وإياك تتحرك من مكانك.
ازداد خوفي أكثر، ولم أعد أعلم ماذا ينتظرني. جلست منذ الساعة العاشرة صباحًا حتى الثامنة مساءً دون أن يقدم لي أحد طعامًا أو شرابًا. اشتد بي الجوع، فقمت أبحث عن شيء آكله، فاستوقفني أمين الشرطة غاضبًا وقال:
– أنا ما قلتلكش ما تتحركش؟ قلت له: يا أخي... أنا جعت. فصرخ في وجهي: ارجع مكانك... وما تتحركش. ظللت على هذه الحال حتى المساء. ثم ناداني وقال: أنت... تعال. قلت: إلى أين؟ قال: على السجن. وقعت الكلمة على قلبي كالصاعقة، فقد صدمت ولم أكن أعلم لماذا سأدخل السجن. قلت له: انتظر حتى أكلم الرجل الذي معي، فهو ينتظرني منذ ساعات. ثم التفت إلى الرجل الذي كان يحتفظ بحقائبي وقلت له: خذ الحقائب، واذهب بها إلى القرية، ولا تخبر أسرتي أنني في السجن، حتى لا تقلق أمي.
أخذ الرجل الحقائب، وسافر بها إلى القرية، فوصلت أمتعتي قبل أن أصل أنا. وقال له أحد أهل القرية: هل أرسلتها الوالدة؟ فقال: لا، سأضعها عندي حتى يعود صاحبها.
أما أنا، فقد مضيت مع أمين الشرطة، حتى أودعني السجن، وبقيت فيه حتى صباح اليوم التالي.
وفي الصباح نادى أمين شرطة آخر باسمي، وقال: هيا بنا.
خرجت معه دون أن أسأله إلى أين نحن ذاهبون، فقد كنت أسير خلفه صامتًا، وهو يمسك بيدي كما لو كنت مجرمًا خطيرًا.
كنت أشعر بالخجل من نظرات الناس إليَّ، وكأنني سارق أو صاحب جريمة، مع أن ذنبي الوحيد أنني تغربت سنوات طويلة أبحث عن لقمة العيش، لأعيش بكرامة، وأكسب رزقي من عرق جبيني، لا من الحرام أو النفاق أو التدليس.
تنقلت بين أكثر من قسم، حتى رُحِّلت إلى محافظتي، واستغرقت الرحلة من منفذ الجمارك إلى محافظتي أربعة أيام كاملة.
وهناك بقيت خمسة أيام أخرى محتجزًا، حتى علمت أمي بوجودي في مركز الشرطة.
جاء عدد من أقاربي إلى المركز، وظلوا طوال اليوم يرجون المسؤولين أن يفرجوا عني، لكن أحد أمناء الشرطة خرج إليهم وقال:
– لازم يتعرض على أمن الدولة. عادوا إلى أمي وقد فقدوا الأمل، وأخبروها بما رأوه وما سمعوه. وفي صباح اليوم الرابع نادوا باسمي، فاصطحبني رجل كبير في السن إلى مقر أمن الدولة. لكن عندما وصلنا، كانت الأوراق الخاصة بي لم تصل بعد، فعُدنا مرة أخرى. وفي طريق العودة قال لي ذلك الرجل الطيب: ما رأيك أن أذهب بك إلى أمك حتى تراها؟
كانت كلماته بالنسبة إليَّ كأنها حكم بالنجاة بعد أن كنت أنتظر حكمًا بالإعدام. فرحت فرحًا لا يوصف، وشكرته من أعماق قلبي.
ذهب بي إلى منزل أمي، وما إن رأتني حتى ارتمت في حضني، وبكينا معًا بكاءً طويلًا، اختلطت فيه دموع الشوق بدموع الألم. ثم قال لي الرجل: سأغادر الآن، وفي الساعة السادسة مساءً سأعود لأصطحبك إلى المركز. امتلأ البيت بالأهل والجيران الذين قدموا يهنئون أمي بعودتي، ولو لساعات قليلة. وحين جاءت الساعة السادسة، عدت معه إلى مركز الشرطة، وقضيت ليلة الجمعة هناك.
وفي صباح اليوم التالي ذهبنا مرة أخرى إلى أمن الدولة، ثم عدنا إلى المركز، وفي نهاية اليوم سُمح لي بالعودة إلى منزل أمي. جلست أتأمل بيتنا، وجدرانه، وشوارع القرية التي تغيرت كثيرًا، بعد أن غابت عنها سنوات طويلة.
أستودعكم الله، وإلى اللقاء في الجزء السادس، حيث أروي لكم ما حدث لي بعد عودتي إلى قريتي.
شرح القصة
يتناول هذا الجزء من قصة «المغترب» مرحلةً تُعد من أكثر مراحل حياة البطل قسوةً وألمًا، إذ يروي رحلة العودة إلى الوطن بعد سنواتٍ طويلة قضاها في الغربة بحثًا عن لقمة العيش.
يبدأ السرد بتأكيد الكاتب أن الأحداث حقيقية، وأنه يرويها كما عاشها دون زيادة أو مبالغة، مع إخفاء بعض الوقائع احترامًا لأشخاصٍ ارتبطت أسماؤهم بها. ثم ينتقل إلى الحديث عن حياته العملية بعد وفاة والده، حيث واصل عمله في البناء، ونال شرف المشاركة في بناء مسجدين، في إشارة إلى أن اختلاف العقيدة لم يكن حاجزًا أمام التعاون والاحترام المتبادل، وأن العمل الصالح يجمع الناس مهما اختلفت معتقداتهم.
بعد سبع سنوات من الغربة، يقرر العودة إلى مصر مدفوعًا بالشوق إلى والدته، بعدما فقد والده وأصبح الحنين إلى الأم والوطن أقوى من احتمال البعد. ويصور الكاتب مشاعره وهو يجهز حقائبه، ويتذكر طفولته، وشوارع قريته، وحقولها، وكل ما تركه خلفه، في مشاهد يغلب عليها الحنين والأسى.
وتبلغ القصة ذروتها عندما يكتشف أن بطاقته الشخصية قد تهالكت بفعل الزمن، فيشعر وكأن هويته نفسها قد تآكلت مع سنوات الغربة، فيتحول هذا المشهد إلى رمزٍ لفقدان الانتماء وطول الفراق.
وعند وصوله إلى منفذ الجمارك المصرية، تتبدل فرحة العودة إلى بداية محنة جديدة، إذ يخضع لتحقيقات مطولة بسبب طول مدة غربته، ويتعرض لسيلٍ من الأسئلة التي لم يكن يتوقعها، بينما لا يجد جوابًا يردده إلا عبارة واحدة: «من أجل لقمة العيش يا باشا.» وهذه العبارة تلخص الدافع الحقيقي وراء غربته، وتكشف أن ما دفعه إلى الابتعاد عن وطنه لم يكن سوى السعي إلى حياة كريمة.
ثم تتصاعد الأحداث حين يُحتجز ويُنقل بين أقسام الشرطة وأمن الدولة، ويُعامل معاملة المشتبه به، رغم أنه لم يرتكب جرمًا، وإنما عاد إلى وطنه بعد سنوات من الكفاح والعمل الشريف. ويصف الكاتب مشاعر الخوف والإهانة والجوع والوحدة التي عاشها، حتى إنه شعر بالخجل من نظرات الناس إليه وهو مكبل اليدين، وكأنه مجرم، بينما كان يرى نفسه مجرد إنسان أنهكته الغربة.
وتصل القصة إلى لحظة إنسانية مؤثرة عندما يسمح له أحد الرجال بزيارة والدته لساعات قليلة. فيلتقي بها بعد سنوات من الفراق، ويغلبهما البكاء، في مشهد يجسد قيمة الأم، وقوة الحنين، ومرارة السنين التي سلبتها الغربة من عمرهما.
ويختتم الكاتب هذا الجزء بعودته المؤقتة إلى منزل والدته، حيث يقف متأملًا جدران البيت وشوارع القرية التي تغيرت مع مرور الزمن، فيترك القارئ على أعتاب الجزء السادس، مترقبًا ما ستكشفه الأيام التالية من أحداث بعد عودته إلى قريته.
وتحمل القصة في مجملها رسالة إنسانية عميقة، تؤكد أن الغربة ليست مجرد ابتعاد عن الوطن، بل تجربة قد تسلب الإنسان سنوات عمره، وتغير ملامح هويته، وتجعله غريبًا حتى عند عودته إلى الأرض التي وُلد عليها، وأن السعي وراء لقمة العيش قد يفرض على الإنسان تضحيات لا يدرك قسوتها إلا من عاشها.
الجزء الخامس
هذه قصةٌ واقعية تعود إلى عام 1991، تحكي معاناة مغتربٍ نال من الشقاء منذ أن فتحت له الحياة أبوابها، فلم يعرف للراحة سبيلًا، وظل يصارع قسوة الأيام وتقلبات الظروف. إنها قصة إنسانٍ حمل هموم الغربة على كتفيه، وعاش بين الألم والصبر، حتى غدت معاناته شاهدًا على مرحلةٍ من الزمن لا تُنسى.
إنها حكاية مغتربٍ وُلد على مائدة الشقاء، فلم تُمهله الحياة لحظةً ليتذوق طعم الراحة. فمنذ نعومة أظفاره وهو يحمل أثقال الزمن فوق كتفيه، متنقلًا بين قسوة الفقر ومرارة الغربة، حتى أصبحت حياته سجلًا حافلًا بالصبر والكفاح، وشاهدًا حيًا على معاناة جيلٍ بأكمله.
<p><span style="font-size: medium;"><b> يروي هذا الجزء من «المغترب» رحلةً واقعية مؤلمة لإنسانٍ عاد إلى وطنه بعد سبع سنواتٍ من الغربة، يحمل في قلبه الشوق إلى أمه، وفي يديه حقائب الهدايا، لكنه وجد نفسه بدلًا من أن يُستقبل بالأحضان، يُستقبل بالتحقيقات والشكوك والقيود. وبين ذكريات الطفولة ومرارة الفراق</b></span></p><p></p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEipII9p1oLINUzcrCG9zE7MDjDEuy-bGLz_mzSkzdOiWPWRsafLGYy1j96EpTPBTq6-MV81mmQGslta1djGGvORpIFCiCxopj8sGZJJflKcd1g-B7R1joOp32g-QVZ4weYWsyv_R4J8wbsN0cOPNAKuU30LleHOXYfq4NWJk0sPVQl76MNVmaSv0VSmon-L" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img alt="" data-original-height="1122" data-original-width="1402" height="240" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEipII9p1oLINUzcrCG9zE7MDjDEuy-bGLz_mzSkzdOiWPWRsafLGYy1j96EpTPBTq6-MV81mmQGslta1djGGvORpIFCiCxopj8sGZJJflKcd1g-B7R1joOp32g-QVZ4weYWsyv_R4J8wbsN0cOPNAKuU30LleHOXYfq4NWJk0sPVQl76MNVmaSv0VSmon-L=rw" width="300" /></a></div><br /><span style="color: red; font-size: large;"><b>الكاتب \عايد حبيب جندي الجبلي </b></span><p></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أكتب لكم كل ما جرى بصدقٍ وأمانة، دون أن أستعين بخيالي في هذه القصة، ودون أن أضيف إليها حرفًا واحدًا. بل إنني، على العكس، نسيت بعض أحداثها مع مرور الزمن، وهناك وقائع أخرى آثرت ألا أذكرها احترامًا لأشخاصٍ لا أريد أن أجرح مشاعرهم أو أسيء إليهم بذكر أسمائهم. فقد كانت لهم مواقف يفتقر بعضها إلى روح الوطنية تجاه أبناء وطنٍ واحد، ولم أشأ أن أخوض في تفاصيلها، مكتفيًا بأن يقرأ القارئ ما بين السطور، ويفهم ما أخفيته كما فهم ما رويته. </b></span><b style="font-size: large;">بعد وفاة أبي، واصلت حياتي العملية في مهنتي. وفي أحد الأيام جاءني أحد المواطنين وقال لي:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– أنا أقوم ببناء مسجد، وأريدك أن تتولى بناءه. </span></strong><b style="font-size: large;">فقلت له: </b><strong><span style="font-size: medium;">نعم، وعلى الرحب والسعة، فهذا شرفٌ عظيمٌ لي.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقال: </b></span><strong><span style="font-size: medium;"> أنا أعلم أنك تختلف عنا في العقيدة، لكن ذلك لا يفرق عندي. </span></strong><b style="font-size: large;">فأجبته بكل احترام:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– بل أنا الذي أتشرف ببناء بيتٍ من بيوت الله.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>اتفقنا على الأجر، وبدأت العمل في بناء مسجد الحسين في إحدى بلدات المحافظة التي كنت أقيم فيها، ضمن منطقة الساحل الشرقي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وبعد أيامٍ وشهور، جاءني رجلٌ آخر، وطلب مني بناء مسجدٍ آخر في منطقة تُسمى شيحا الشرقية، فنلت شرف المساهمة في بناء المسجدين، وكان ذلك من أجمل الأعمال التي تشرفت بها خلال سنوات غربتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>واستمرت حياتي على هذا النمط من العمل منذ عام 1991 وحتى عام 1997، دون أن أعود إلى وطني ولو مرةً واحدة. مرت سبع سنوات كاملة لم تطأ خلالها قدماي أرض قريتي. فمنذ وفاة أبي لم تعد لديَّ رغبة في العودة، فقد تعفنت أحلامي، وانطفأت في داخلي أمنيات كثيرة، ولم أعد أرغب في شيء سوى رؤية أمي، فقد اشتقت إلى حنانها ودفء قلبها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>اشتريت الهدايا للأقارب، وأعددت حقيبتين استعدادًا للعودة إلى الوطن، إلى ذكريات الطفولة، وإلى الشوارع التي حفظت خطواتي، والجدران التي شهدت سنوات صباي، والحقول، والجاموسة التي كانت جزءًا من طفولتي البسيطة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>مددت يدي إلى حقيبتي القديمة المعلقة في سقف غرفة الزنك، ذلك السقف الذي اعتاد جسدي حرارته في الصيف وبرده القارس في الشتاء. وبين أغراضي وجدت بطاقتي الشخصية التي غابت عن عيني سنواتٍ طويلة، حتى كدت أنساها كما نسيت أشياء كثيرة في حياتي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أخرجتها، فإذا بصورتي قد تمزقت، والغلاف البلاستيكي قد تهشم من شدة الحرارة وتقادم السنين. لم يبق من البطاقة إلا الاسم، والعنوان، واسم الوطن، أما بقية معالمها فقد تآكلت، تمامًا كما تآكلت سنوات عمري في الغربة، وحرماني من وطني ووالديَّ. </b></span><b style="font-size: large;">وقفت أنظر إليها طويلًا، ثم قلت في نفسي: </b><strong><span style="font-size: medium;">ما العمل؟ وكيف سأثبت أنني مصري؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم يبق معي ما يثبت هويتي سوى لهجتي المصرية، وحتى تلك اختلطت بلهجة أهل المحافظة التي عشت فيها، وتأثرت بعاداتهم وتقاليدهم البدوية، بعد سنواتٍ طويلة قضيتها بينهم.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فتركت أمري لله، وحملت أمتعتي، واستأجرت سيارة مرسيدس متجهة إلى منفذ الجمارك المصرية، وأنا لا أعلم أن رحلة العودة إلى الوطن ستكون بداية معاناة جديدة، لم تكن تخطر على بالي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ومرت السنون، وتراكمت فوقها سنوات الحرمان من الوطن ومن والديَّ، حتى نظرت إلى بطاقتي الشخصية وقلت في نفسي: </b></span><strong><span style="font-size: medium;">وما العمل؟ ماذا سأفعل؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>لم يعد هناك ما يثبت أنني مصري سوى لهجتي المصرية، وحتى تلك اختلطت بلهجة أهل المحافظة التي كنت أعيش فيها، وتأثرت بعاداتهم وتقاليدهم العربية البدوية بعد سنواتٍ طويلة من الغربة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تركت أمري لله، وحملت أمتعتي، واستقللت سيارة مرسيدس أجرة يقودها سائق من المحافظة التي كنت أقيم فيها، وانطلقنا نحو منفذ الجمارك المصرية. </b></span><b style="font-size: large;">وصلنا إلى المنفذ، وأنزلنا الحقائب، فتقدم مني ضابط مصري وقال:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– هات بطاقتك. </span></strong><b style="font-size: large;">ناولته البطاقة وأنا متردد، يملؤني الخوف من مصيرٍ شعرت أنه يقترب مني.</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أخذ البطاقة، وأطال النظر فيها، ثم قال: </b></span><strong><span style="font-size: medium;"> دي بطاقتك؟ </span></strong><b style="font-size: large;">قلت </b><strong><span style="font-size: medium;">نعم يا فندم، هذه بطاقتي. </span></strong><b style="font-size: large;">ثم سألني: </b><strong><span style="font-size: medium;">فين حقائبك؟ </span></strong><b style="font-size: large;">أشرت إليها، فقال: </b><strong><span style="font-size: medium;"> احملها وتعال معي.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت الحقائب ثقيلة جدًا لكثرة الهدايا التي بداخلها، فطلبت من أحد الركاب أن يساعدني، فحمل واحدة، وحملت الأخرى، ثم اتجهنا نحو مبنى تحيط به حراسة مشددة، يقف أمامه رجال أمن مدججون بالسلاح.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>طال انتظاري أمام المكتب، فاستعجل سائق السيارة وقال لي: </b></span><strong><span style="font-size: medium;">الركاب غاضبون، وسوف أغادر. </span></strong><b style="font-size: large;">فقلت له: </b><strong><span style="font-size: medium;">امضِ ولا تنتظرني.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>غادرت السيارة، بينما بقي الرجل الذي ساعدني في حمل الحقائب، رافضًا أن يتركني وحدي، فقد أراد أن يطمئن عليَّ قبل أن يغادر. </b></span><b style="font-size: large;">وبعد قليل نادى أحدهم: </b><strong><span style="font-size: medium;">فلان بن فلان... تفضل إلى ضابط أمن الدولة. </span></strong><b style="font-size: large;">دخلت المكتب، وكانت عيناي تدوران في المكان من شدة الخوف والارتباك. </b><b style="font-size: large;">قال لي الضابط: </b><strong><span style="font-size: medium;">ما اسمك؟ </span></strong><b style="font-size: large;">فأجبته باسمي، واسم أبي، وجدي.</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم قال: </b></span><strong><span style="font-size: medium;">من أي محافظة أنت؟ </span></strong><b style="font-size: large;">أجبته، فبدأ يطرح عليَّ سيلًا من الأسئلة:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– لماذا بقيت كل هذه السنوات في الغربة؟ ولماذا لم تنزل إلى بلدك ولو مرة واحدة؟ وكيف تمضي سبع سنوات كاملة بعيدًا عن وطنك؟ وما الذي يجعلك تطيل الغربة إلى هذا الحد، خاصة أنك سافرت في وقت كان يسمح فيه بالدخول والخروج بالبطاقة؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت أسئلة كثيرة لم أكن مستعدًا لها، ولم تخطر ببالي يومًا. </b></span><b style="font-size: large;">ولم أجد جوابًا أكرره سوى كلمة واحدة: </b><strong><span style="font-size: medium;">من أجل لقمة العيش يا باشا. </span></strong><b style="font-size: large;">فقال لي: </b><strong><span style="font-size: medium;"> وهل لقمة العيش تستحق أن تبقى أكثر من ست سنوات بعيدًا عن أهلك؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم سألني: </b></span><strong><span style="font-size: medium;"> كان عمرك كام لما سافرت؟ </span></strong><b style="font-size: large;">قلت: </b><strong><span style="font-size: medium;">كان عمري ثمانية عشر عامًا. </span></strong><b style="font-size: large;">فقال: </b><strong><span style="font-size: medium;">يعني كنت لا تزال شابًا صغيرًا، فكيف وافق أبواك على سفرك؟ </span></strong><b style="font-size: large;">فأجبته للمرة الثانية: </b><strong><span style="font-size: medium;">من أجل لقمة العيش يا باشا. </span></strong><b style="font-size: large;">التفت إلى أمين الشرطة وقال:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– خذه إلى الخارج. </span></strong><b style="font-size: large;">خرجت مع أمين الشرطة، وسألته وأنا خائف ومرتعش: </b><strong><span style="font-size: medium;">ماذا سيفعلون بي؟ </span></strong><b style="font-size: large;">فقال ببرود:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– لا أعرف. </span></strong><b style="font-size: large;">ثم أشار إليَّ بيده، وقال بلهجة حادة: </b><strong><span style="font-size: medium;">اقعد هنا... وما أسمعش نفسك... وإياك تتحرك من مكانك.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ازداد خوفي أكثر، ولم أعد أعلم ماذا ينتظرني. جلست منذ الساعة العاشرة صباحًا حتى الثامنة مساءً دون أن يقدم لي أحد طعامًا أو شرابًا. </b></span><b style="font-size: large;">اشتد بي الجوع، فقمت أبحث عن شيء آكله، فاستوقفني أمين الشرطة غاضبًا وقال:</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– أنا ما قلتلكش ما تتحركش؟ </span></strong><b style="font-size: large;">قلت له: </b><strong><span style="font-size: medium;"> يا أخي... أنا جعت. </span></strong><b style="font-size: large;">فصرخ في وجهي: </b><strong><span style="font-size: medium;">ارجع مكانك... وما تتحركش. </span></strong><b style="font-size: large;">ظللت على هذه الحال حتى المساء. </b><b style="font-size: large;">ثم ناداني وقال: </b><strong><span style="font-size: medium;">أنت... تعال. </span></strong><b style="font-size: large;">قلت: </b><strong><span style="font-size: medium;">إلى أين؟ </span></strong><b style="font-size: large;">قال: </b><strong><span style="font-size: medium;">على السجن. </span></strong><b style="font-size: large;">وقعت الكلمة على قلبي كالصاعقة، فقد صدمت ولم أكن أعلم لماذا سأدخل السجن. </b><b style="font-size: large;">قلت له: </b><strong><span style="font-size: medium;">انتظر حتى أكلم الرجل الذي معي، فهو ينتظرني منذ ساعات. </span></strong><b style="font-size: large;">ثم التفت إلى الرجل الذي كان يحتفظ بحقائبي وقلت له: </b><strong><span style="font-size: medium;">خذ الحقائب، واذهب بها إلى القرية، ولا تخبر أسرتي أنني في السجن، حتى لا تقلق أمي.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أخذ الرجل الحقائب، وسافر بها إلى القرية، فوصلت أمتعتي قبل أن أصل أنا. </b></span><b style="font-size: large;">وقال له أحد أهل القرية: </b><strong><span style="font-size: medium;">هل أرسلتها الوالدة؟ </span></strong><b style="font-size: large;">فقال: </b><strong><span style="font-size: medium;">لا، سأضعها عندي حتى يعود صاحبها.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>أما أنا، فقد مضيت مع أمين الشرطة، حتى أودعني السجن، وبقيت فيه حتى صباح اليوم التالي.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي الصباح نادى أمين شرطة آخر باسمي، وقال: </b></span><strong><span style="font-size: medium;">هيا بنا.</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>خرجت معه دون أن أسأله إلى أين نحن ذاهبون، فقد كنت أسير خلفه صامتًا، وهو يمسك بيدي كما لو كنت مجرمًا خطيرًا.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كنت أشعر بالخجل من نظرات الناس إليَّ، وكأنني سارق أو صاحب جريمة، مع أن ذنبي الوحيد أنني تغربت سنوات طويلة أبحث عن لقمة العيش، لأعيش بكرامة، وأكسب رزقي من عرق جبيني، لا من الحرام أو النفاق أو التدليس.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>تنقلت بين أكثر من قسم، حتى رُحِّلت إلى محافظتي، واستغرقت الرحلة من منفذ الجمارك إلى محافظتي أربعة أيام كاملة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وهناك بقيت خمسة أيام أخرى محتجزًا، حتى علمت أمي بوجودي في مركز الشرطة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>جاء عدد من أقاربي إلى المركز، وظلوا طوال اليوم يرجون المسؤولين أن يفرجوا عني، لكن أحد أمناء الشرطة خرج إليهم وقال:</b></span></p><p><strong><span style="font-size: medium;">– لازم يتعرض على أمن الدولة. </span></strong><b style="font-size: large;">عادوا إلى أمي وقد فقدوا الأمل، وأخبروها بما رأوه وما سمعوه. </b><b style="font-size: large;">وفي صباح اليوم الرابع نادوا باسمي، فاصطحبني رجل كبير في السن إلى مقر أمن الدولة. </b><b style="font-size: large;">لكن عندما وصلنا، كانت الأوراق الخاصة بي لم تصل بعد، فعُدنا مرة أخرى. </b><b style="font-size: large;">وفي طريق العودة قال لي ذلك الرجل الطيب: </b><strong><span style="font-size: medium;"> ما رأيك أن أذهب بك إلى أمك حتى تراها؟</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كانت كلماته بالنسبة إليَّ كأنها حكم بالنجاة بعد أن كنت أنتظر حكمًا بالإعدام. </b></span><b style="font-size: large;">فرحت فرحًا لا يوصف، وشكرته من أعماق قلبي.</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ذهب بي إلى منزل أمي، وما إن رأتني حتى ارتمت في حضني، وبكينا معًا بكاءً طويلًا، اختلطت فيه دموع الشوق بدموع الألم. </b></span><b style="font-size: large;">ثم قال لي الرجل: </b><strong><span style="font-size: medium;">سأغادر الآن، وفي الساعة السادسة مساءً سأعود لأصطحبك إلى المركز. </span></strong><b style="font-size: large;">امتلأ البيت بالأهل والجيران الذين قدموا يهنئون أمي بعودتي، ولو لساعات قليلة. </b><b style="font-size: large;">وحين جاءت الساعة السادسة، عدت معه إلى مركز الشرطة، وقضيت ليلة الجمعة هناك.</b></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وفي صباح اليوم التالي ذهبنا مرة أخرى إلى أمن الدولة، ثم عدنا إلى المركز، وفي نهاية اليوم سُمح لي بالعودة إلى منزل أمي. </b></span><b style="font-size: large;">جلست أتأمل بيتنا، وجدرانه، وشوارع القرية التي تغيرت كثيرًا، بعد أن غابت عنها سنوات طويلة.</b></p><p><strong><span style="font-size: medium;">أستودعكم الله، وإلى اللقاء في الجزء السادس، حيث أروي لكم ما حدث لي بعد عودتي إلى قريتي.<span></span></span></strong></p><a name="more"></a><p></p><p><br /></p><p><strong><span style="font-size: medium;">شرح القصة</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>يتناول هذا الجزء من قصة «المغترب» مرحلةً تُعد من أكثر مراحل حياة البطل قسوةً وألمًا، إذ يروي رحلة العودة إلى الوطن بعد سنواتٍ طويلة قضاها في الغربة بحثًا عن لقمة العيش.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>يبدأ السرد بتأكيد الكاتب أن الأحداث حقيقية، وأنه يرويها كما عاشها دون زيادة أو مبالغة، مع إخفاء بعض الوقائع احترامًا لأشخاصٍ ارتبطت أسماؤهم بها. ثم ينتقل إلى الحديث عن حياته العملية بعد وفاة والده، حيث واصل عمله في البناء، ونال شرف المشاركة في بناء مسجدين، في إشارة إلى أن اختلاف العقيدة لم يكن حاجزًا أمام التعاون والاحترام المتبادل، وأن العمل الصالح يجمع الناس مهما اختلفت معتقداتهم.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>بعد سبع سنوات من الغربة، يقرر العودة إلى مصر مدفوعًا بالشوق إلى والدته، بعدما فقد والده وأصبح الحنين إلى الأم والوطن أقوى من احتمال البعد. ويصور الكاتب مشاعره وهو يجهز حقائبه، ويتذكر طفولته، وشوارع قريته، وحقولها، وكل ما تركه خلفه، في مشاهد يغلب عليها الحنين والأسى.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وتبلغ القصة ذروتها عندما يكتشف أن بطاقته الشخصية قد تهالكت بفعل الزمن، فيشعر وكأن هويته نفسها قد تآكلت مع سنوات الغربة، فيتحول هذا المشهد إلى رمزٍ لفقدان الانتماء وطول الفراق.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وعند وصوله إلى منفذ الجمارك المصرية، تتبدل فرحة العودة إلى بداية محنة جديدة، إذ يخضع لتحقيقات مطولة بسبب طول مدة غربته، ويتعرض لسيلٍ من الأسئلة التي لم يكن يتوقعها، بينما لا يجد جوابًا يردده إلا عبارة واحدة: «من أجل لقمة العيش يا باشا.» وهذه العبارة تلخص الدافع الحقيقي وراء غربته، وتكشف أن ما دفعه إلى الابتعاد عن وطنه لم يكن سوى السعي إلى حياة كريمة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم تتصاعد الأحداث حين يُحتجز ويُنقل بين أقسام الشرطة وأمن الدولة، ويُعامل معاملة المشتبه به، رغم أنه لم يرتكب جرمًا، وإنما عاد إلى وطنه بعد سنوات من الكفاح والعمل الشريف. ويصف الكاتب مشاعر الخوف والإهانة والجوع والوحدة التي عاشها، حتى إنه شعر بالخجل من نظرات الناس إليه وهو مكبل اليدين، وكأنه مجرم، بينما كان يرى نفسه مجرد إنسان أنهكته الغربة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وتصل القصة إلى لحظة إنسانية مؤثرة عندما يسمح له أحد الرجال بزيارة والدته لساعات قليلة. فيلتقي بها بعد سنوات من الفراق، ويغلبهما البكاء، في مشهد يجسد قيمة الأم، وقوة الحنين، ومرارة السنين التي سلبتها الغربة من عمرهما.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ويختتم الكاتب هذا الجزء بعودته المؤقتة إلى منزل والدته، حيث يقف متأملًا جدران البيت وشوارع القرية التي تغيرت مع مرور الزمن، فيترك القارئ على أعتاب الجزء السادس، مترقبًا ما ستكشفه الأيام التالية من أحداث بعد عودته إلى قريته.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وتحمل القصة في مجملها رسالة إنسانية عميقة، تؤكد أن الغربة ليست مجرد ابتعاد عن الوطن، بل تجربة قد تسلب الإنسان سنوات عمره، وتغير ملامح هويته، وتجعله غريبًا حتى عند عودته إلى الأرض التي وُلد عليها، وأن السعي وراء لقمة العيش قد يفرض على الإنسان تضحيات لا يدرك قسوتها إلا من عاشها.<span></span></b></span></p><!--more--><span style="font-size: medium;"><b><span><!--more--></span></b></span><p></p><h1><span style="font-size: medium;">الجزء الخامس</span></h1><p><span style="font-size: medium;"><b>هذه قصةٌ واقعية تعود إلى عام 1991، تحكي معاناة مغتربٍ نال من الشقاء منذ أن فتحت له الحياة أبوابها، فلم يعرف للراحة سبيلًا، وظل يصارع قسوة الأيام وتقلبات الظروف. إنها قصة إنسانٍ حمل هموم الغربة على كتفيه، وعاش بين الألم والصبر، حتى غدت معاناته شاهدًا على مرحلةٍ من الزمن لا تُنسى.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>إنها حكاية مغتربٍ وُلد على مائدة الشقاء، فلم تُمهله الحياة لحظةً ليتذوق طعم الراحة. فمنذ نعومة أظفاره وهو يحمل أثقال الزمن فوق كتفيه، متنقلًا بين قسوة الفقر ومرارة الغربة، حتى أصبحت حياته سجلًا حافلًا بالصبر والكفاح، وشاهدًا حيًا على معاناة جيلٍ بأكمله.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b><br /></b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b><br /></b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b><br /></b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b><br /></b></span></p><p><br /></p>
تعليقات
إرسال تعليق