في عالم يموج بالغموض والصراعات، يقف الإنسان حائرًا بين طبائعه المتشابكة ومحاولاته لفهم الكون من حوله. رحلة تتداخل فيها الأسرة، والمجتمع، والقيم، وصراع البقاء.
الكون بما فيهُ، فعقلك لا يحتمل مشاجرات الكون بما فيه، وأنت تظل لا تفهم شيئًا من الكون، لأن عقلك لا يحتمل فهم كل ما في الكون. فلا تعتني على فهمك، لأنكَ لا تستطيع أن تفهم الغير من كثرة غموضه.
كون الإنسان، الذي هو ماضٍ بهِ في الطرقات وفي الشوارع، وكل إنسان لهُ كون في الطبيعة، فالإنسانية الغامضة داخلهُ، ويخرج غموضه عندما يريد إخراجه. وفيما بعد تؤدي إلى حماقة، أو يحسم الأمور بعقلانية.
في طبيعتنا البشرية، الإنسان يمتلك ثلاث طبائع: المكر والخير والإنسانية، فيخرج الثلاث كل واحدة على حسب الكون المحيط به، إذا كان صوابًا أو شراً أو إنسانياً. فالإنسان يمتلك الثلاثة أشياء منذ خلق آدم، والصراعات لا تنتهي لوقتنا هذا.
ما أصعب الأسرة التي يتخلى بعضها عن بعض من أجل شيء ما، فمن هنا يتكون تكوين الإنسان، سواء أكان شريراً أم صالحًا للمجتمع من حوله. فالأسرة لديها شأن كبير في تكوين الشخصية الأسرية في الكون. فالشخص يخرج على منهج أسرته التي تابع لها أو تابعة لها. فإن كانت الأسرة جيدة، فيكون أغلب المجتمع جيدًا، وتتقدم الشعوب، وتتأثر الأسر بعضها ببعض، وتنمو الدولة في تقدم وازدهار مجتمعي.
اسمه لم يمت ما دام لديه أبناء يحملون اسمه ويحافظون عليه. فالذي جعلك تقول "هات" فهي أشياء مبهمة مع الجميع، والآن هو حي يرزق في الأزمات. فالأب لا يكون في عالم النسيان ينسى في حالات تفرق الأبناء، وهنا يُنسى الاسم من بعض الناس، وعندما يُنسى، يبقى كأنه لا وجود له في الحياة، لكن لديه أبناء حاملون اسمه. فإذا أخطأ أحد الأبناء، فالباقون حاملون اسمه.
يقلقني صبر الصمت، عندما أرى أشياء تغضبني، يحطمني القلق، وغريزتي الإنسانية تضعني أكتب ما أراه في محيطي، الذي مليء بأوكار الإنسانية، ولتبس الأذية الآخر في المجتمعات المحيطة به، ويتلذذ بمذاق الحقد، ويبلغه للآخرين، ويضيق فن الشر، ويتفلسفون في التحدث، ويعاني بمرض توحد الكراهية.
ولست أتحدث عن شخص معينًا تربطني به مشكلة، بل هذا الرجل يمثل الكاسرين في محيطنا، ويفنّ مذاق الغل، ويخرج مواهبه لضحايا الآخرة، ويحطم كل من يقاسمه شيئًا للخير. هل يُبنى المجتمع بهذا الشخص الذي في مخيلتي أنا؟ هل الأفعال التي فعلها هذا الرجل تأتي يومًا ما ونتجه لها، عندما تُنهب الحقوق من بعض الأشخاص المطمعين في الحياة، ويهدرون حقوق البسطاء؟
ولو كل شخص فعل هذا الفعل، يُبنى الوطن على الرمال، تأتي الأمواج وتحطم كل شيء، وينهار الوطن من أجل حرمان الإخلاص، وتُعدم طرقات الخير، وتسود مثل أفعال هذا الرجل الذي في مخيلتي، ويهدم الوطن من ثرثرة هؤلاء، ويطعنون في فعل الخير.
علينا أن ننقي قلبنا، لكي تسير مركب الوطن، ويظهر الوطن بخليقة جديدة، والتعايش من غير غلغلة الحقد الآخرين، وتُدعم المحبة، ويُطعن الحاقدون في فعل الخير عندما لم يجدوا وسيلة لهدم الوطن.
فحنون كوننا في وطن مثل الولدين، لم تربطنا أسماء وتُرخى على ورق، بل كائن فينا ونحن فيه. الذي بلا وطن لا كيان له، مثل الذي لم يكن مع أبٍ ولا أم، كل حفنة تراب له مع هذا المجتمع.
قصة يُبنى الوطن على المحبة، وعندما تسود المحبة يظهر الوطن بالتقدم، ومساويًا للبلدان المتقدمة في جميع المجالات. وعندما تأتي عاصفة على الوطن، يبقى ثابتًا على صخرة، متمركزًا على مجتمع لديه ثقافة عامة في جميع المجالات، ليس مثل هذا الرجل الذي في مخيلتي.
أنا لم أكتب عن شخص معين، بل عن فئة قليلة في مجتمعنا المعاصر، محيط بنا مع الثقافة والتحضر. ينفون هؤلاء في مجتمعنا بصبر البقاء. أنا من وضعه الزمن في تجاعيده، كائن لا كون له، أمضي مقدمًا لأنقذ كائنًا حطمه الكيان. أقاوم من تجاعيد الزمن، أسترجع قوتي لذكريات نفاها الحرمان. فأظل أمضي وأمضي، أبحث عن كائن لا كون له في حدائق الزهور والياسمين، بين الفراشات والطيور، وبين الكائنين في كيان لا كون له في كل شيء جميل.
وجدته في خمول الحب، تسترده الكحول، ويمضي مرحًا مخمورًا من كائنات لا كون لها، ويستيقظ ليسترد وعيه من كائنات لا تعرف الحب. وهناك كائنات مثلي، لا كيان لها، تعيش في معطف الحياة، يلتف بهم بائس المصير، مقتنين مرارها من أثقالها، تحني كهلهم من شدة ألم الشقاء، يبالون الحزن، ويمضون فيها حيثما تشاء، لا يعرفون أن يعيشوا مثل الكائنات اللواتي يمضين برخاء من مقتنياتهم في الحياة الرفاهية، ويسردون كائنات لا كون لها حزنهم في شيخوختهم لأحفادهم.
ويبقى الزمن هو الزمن، والكائن لا كون له، وسيرثه الجيل، ويكتفي بصبر البقاء. ويكتفي بصبر البقاء.



تعليقات
إرسال تعليق