قصيدة نثرية ذات طابع إنساني ووطني، ترسم مشاهد مؤلمة من ويلات الحرب وما تخلّفه من قتلٍ وتهجيرٍ وجوعٍ ودمار. يوظّف الكاتب صورًا أدبية مؤثرة ليجسّد معاناة الأبرياء، وتمسّك الإنسان بأرضه
بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي
كنتُ يومًا أسير على الطرقات، فسمعت أنينًا وصرخات المقهورين، ورأيت جنودًا مبعثرين كأوراق الزيتون المتساقطة في الخريف، وصوت الرصاص يدوي في سماء المدينة. كانت الجنود تهرول في كل أرجائها، وصياح الأطفال، وصرخات النساء خوفًا على أبنائهن، يملأ المكان.
ورأيت جنديًا يقتل طفلًا رضيعًا في أحضان أمه برصاصة واحدة، فأردى الأم وطفلها معًا. ثم نظرت خلفي، فرأيت طفلًا في السادسة من عمره يتجه نحوي ليحتمي بي. وفي تلك اللحظة دوى صوت الرصاص في السماء، وتناثرت زخاته حتى كادت تلتهم الأرض من كثرتها، فسقط الطفل ميتًا أمام عيني، وأنا لا حول لي ولا قوة.
ثم رأيت جرافة في حقل الزيتون تنتزع الأشجار من جذورها، وتحرق ما تبقى منها حتى لا تنمو مرة أخرى، وكأنها تريد أن تمحو أثر الأرض وتاريخها.
ورأيت رجلًا مسنًا، معاقًا، يزحف على ساقيه لينجو من حاضرٍ مجهول، فأقبل عليه جندي وهوى عليه بمؤخرة بندقيته حتى أرداه قتيلًا، فسقط الشيخ ضحيةً لقسوةٍ لا تعرف رحمة.
ثم سمعت صياحًا من بعيد، ممزوجًا برائحة الدم. فقالت لي عجوز:
«أيها العربي، ألم تجلب لنا طعامًا؟ فنحن جياع، حُرمنا الحب، وحُرمنا رؤية أبناء عمومتنا.»
ثم قالت:
«أيها العربي، ارجع من حيث أتيت، أما أنا فسأناضل مع أحفادي.»
فقلت لها:
«أيتها الأم، انشري رداء الشهداء ليجف من الدماء، لعل المارين يتذكرون، ويرى العابرون ما حدث، وإن كانوا عميانًا عن الحقيقة، أو جاهلين بما جرى.»
ثم مزق صياحٌ آخر أذني، فتقدمت نحو مصدره، فرأيت أطفالًا ومسنين ومعاقين يتنازعون على رغيف خبز من شدة الجوع.
وبينما كنت أتأمل وجوه المهجرين، سمعت هدير الطائرات يحلق في سماء الوطن، ثم ألقت قذائفها على الهاربين. ورأيت امرأةً حاملًا في شهر مخاضها تركض مذعورة، فسقط جنينها من بين أحشائها، ومن شدة التدافع داسه الفارون بأقدامهم، بينما كانت الأم تبكي جنينها الذي لم يرضع من ثديها، ولم يشم رائحة أرضه التي غذت أمه بخيراتها، وارتوت تربتها بعرق أسلافه.
ثم رأيت جنديًا يعلق منشورات على الجدران، كُتب فيها:
«ارحل أيها الغريب.»
ثم حدق في وجهي وصاح: «ارحل يا غريب.» فقلت له:
«الأرض أرضي، والنبات نباتي، والهواء هوائي. ارفع قدمك عن أرضي أيها الجندي، فبين ترابها دماء أسلافي، ودماء الشهداء، وعظامهم التي ما زالت تصرخ في أعماقها.»
فوجّه البندقية نحوي، وقال بسخرية: «سوف نلتقي.»
فأجبته: «سنلتقي، وسيبقى النضال ما بقي أبناءٌ يحملون ذاكرة الأرض، ويتوارثون الحق جيلًا بعد جيل، حتى يعود الحق إلى أصحابه.»
<p><span style="font-size: medium;"><b>قصيدة نثرية ذات طابع إنساني ووطني، ترسم مشاهد مؤلمة من ويلات الحرب وما تخلّفه من قتلٍ وتهجيرٍ وجوعٍ ودمار. يوظّف الكاتب صورًا أدبية مؤثرة ليجسّد معاناة الأبرياء، وتمسّك الإنسان بأرضه</b></span></p><p></p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEj1fhZPY_4KcAPTriliNrs7YXRI6vpoYHns63q5v8Zof_gr3YyD-nI2Syz1ek_QPY6-kntjw2coK5qrzmzzLGQIzBOflH8YB2pNhABc5tikmCuHiYPxcrSwIw30RTBoQ0b2vSmZBoJNP5voXSV_vsH3qwATXUhquhm_H4xohn4mpxMjITk63L55MPKOsg6d" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img alt="صرخات المقهورين، ورأيت جنودًا مبعثرين كأوراق الزيتون" data-original-height="1241" data-original-width="1268" height="640" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEj1fhZPY_4KcAPTriliNrs7YXRI6vpoYHns63q5v8Zof_gr3YyD-nI2Syz1ek_QPY6-kntjw2coK5qrzmzzLGQIzBOflH8YB2pNhABc5tikmCuHiYPxcrSwIw30RTBoQ0b2vSmZBoJNP5voXSV_vsH3qwATXUhquhm_H4xohn4mpxMjITk63L55MPKOsg6d=w375-h640-rw" title="صرخات المقهورين، ورأيت جنودًا مبعثرين كأوراق الزيتون" width="375" /></a></div><br /><br /><p></p><p><strong><span style="font-size: medium;">بقلم: عايد حبيب جندي الجبلي</span></strong></p><p><span style="font-size: medium;"><b>كنتُ يومًا أسير على الطرقات، فسمعت أنينًا وصرخات المقهورين، ورأيت جنودًا مبعثرين كأوراق الزيتون المتساقطة في الخريف، وصوت الرصاص يدوي في سماء المدينة. كانت الجنود تهرول في كل أرجائها، وصياح الأطفال، وصرخات النساء خوفًا على أبنائهن، يملأ المكان.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ورأيت جنديًا يقتل طفلًا رضيعًا في أحضان أمه برصاصة واحدة، فأردى الأم وطفلها معًا. ثم نظرت خلفي، فرأيت طفلًا في السادسة من عمره يتجه نحوي ليحتمي بي. وفي تلك اللحظة دوى صوت الرصاص في السماء، وتناثرت زخاته حتى كادت تلتهم الأرض من كثرتها، فسقط الطفل ميتًا أمام عيني، وأنا لا حول لي ولا قوة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم رأيت جرافة في حقل الزيتون تنتزع الأشجار من جذورها، وتحرق ما تبقى منها حتى لا تنمو مرة أخرى، وكأنها تريد أن تمحو أثر الأرض وتاريخها.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ورأيت رجلًا مسنًا، معاقًا، يزحف على ساقيه لينجو من حاضرٍ مجهول، فأقبل عليه جندي وهوى عليه بمؤخرة بندقيته حتى أرداه قتيلًا، فسقط الشيخ ضحيةً لقسوةٍ لا تعرف رحمة.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم سمعت صياحًا من بعيد، ممزوجًا برائحة الدم. فقالت لي عجوز:<br />«أيها العربي، ألم تجلب لنا طعامًا؟ فنحن جياع، حُرمنا الحب، وحُرمنا رؤية أبناء عمومتنا.»</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم قالت:<br />«أيها العربي، ارجع من حيث أتيت، أما أنا فسأناضل مع أحفادي.»</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فقلت لها:<br />«أيتها الأم، انشري رداء الشهداء ليجف من الدماء، لعل المارين يتذكرون، ويرى العابرون ما حدث، وإن كانوا عميانًا عن الحقيقة، أو جاهلين بما جرى.»</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم مزق صياحٌ آخر أذني، فتقدمت نحو مصدره، فرأيت أطفالًا ومسنين ومعاقين يتنازعون على رغيف خبز من شدة الجوع.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>وبينما كنت أتأمل وجوه المهجرين، سمعت هدير الطائرات يحلق في سماء الوطن، ثم ألقت قذائفها على الهاربين. ورأيت امرأةً حاملًا في شهر مخاضها تركض مذعورة، فسقط جنينها من بين أحشائها، ومن شدة التدافع داسه الفارون بأقدامهم، بينما كانت الأم تبكي جنينها الذي لم يرضع من ثديها، ولم يشم رائحة أرضه التي غذت أمه بخيراتها، وارتوت تربتها بعرق أسلافه.</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم رأيت جنديًا يعلق منشورات على الجدران، كُتب فيها:<br />«ارحل أيها الغريب.»</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>ثم حدق في وجهي وصاح: «ارحل يا غريب.» فقلت له:</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>«الأرض أرضي، والنبات نباتي، والهواء هوائي. ارفع قدمك عن أرضي أيها الجندي، فبين ترابها دماء أسلافي، ودماء الشهداء، وعظامهم التي ما زالت تصرخ في أعماقها.»</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فوجّه البندقية نحوي، وقال بسخرية: «سوف نلتقي.»</b></span></p><p><span style="font-size: medium;"><b>فأجبته: «سنلتقي، وسيبقى النضال ما بقي أبناءٌ يحملون ذاكرة الأرض، ويتوارثون الحق جيلًا بعد جيل، حتى يعود الحق إلى أصحابه.»<span></span></b></span></p><a name="more"></a><p></p><p><span style="font-size: medium;"><b><br /></b></span></p><p></p><div aria-hidden="true" class="pointer-events-none -mt-px h-px translate-y-(--scroll-root-safe-area-inset-bottom)"></div><p></p><div class="qMYqUG_convSearchResultHighlightRoot"><div class="" data-is-intersecting="true" data-turn-id-container="request-6a5147fb-5064-83ea-a587-edd39904e60e-1"><section class="text-token-text-primary w-full focus:outline-none has-data-writing-block:pointer-events-none [&:has([data-writing-block])>*]:pointer-events-auto R6Vx5W_threadScrollVars scroll-mb-[calc(var(--scroll-root-safe-area-inset-bottom,0px)+var(--thread-response-height))] scroll-mt-[calc(var(--header-height)+min(200px,max(70px,20svh)))]" data-testid="conversation-turn-10" data-turn-id-container="request-6a5147fb-5064-83ea-a587-edd39904e60e-1" data-turn-id="request-6a5147fb-5064-83ea-a587-edd39904e60e-1" data-turn="assistant" dir="auto"><div class="text-base my-auto mx-auto pb-10 [--thread-content-margin:var(--thread-content-margin-xs,calc(var(--spacing)*4))] @w-sm/main:[--thread-content-margin:var(--thread-content-margin-sm,calc(var(--spacing)*6))] @w-lg/main:[--thread-content-margin:var(--thread-content-margin-lg,calc(var(--spacing)*16))] px-(--thread-content-margin)"><div class="[--thread-content-max-width:40rem] @w-lg/main:[--thread-content-max-width:48rem] mx-auto max-w-(--thread-content-max-width) flex-1 group/turn-messages focus-visible:outline-hidden relative flex w-full min-w-0 flex-col agent-turn" data-conversation-screenshot-content=""><div class="flex max-w-full flex-col gap-4 grow"><div class="min-h-8 text-message relative flex w-full flex-col items-end gap-2 text-start break-words whitespace-normal outline-none keyboard-focused:focus-ring [.text-message+&]:mt-1" data-message-author-role="assistant" data-message-id="f44c4733-5eec-4436-b7d3-c16d618041ac" data-message-model-slug="gpt-5-5" data-turn-start-message="true" dir="auto" tabindex="0"><div class="flex w-full flex-col gap-1 empty:hidden"><div class="markdown prose dark:prose-invert wrap-break-word w-full dark markdown-new-styling"><p class="PDq2pG_selectionAnchorContainer" data-end="2532" data-start="2296"><span style="font-size: medium;"><b>يعرض الكاتب مشهدًا أدبيًا يصور ويلات الحرب وآثارها على الإنسان والأرض، من خلال رحلةٍ يتنقل فيها بين مشاهد متتابعة من الألم والدمار. يبدأ النص بسماع أنين المقهورين وأصوات الرصاص، ليدخل القارئ مباشرة في أجواء مأساوية تسودها الفوضى والخوف.<span aria-hidden="true" class="PDq2pG_selectionAnchor"></span></b></span></p>
<p data-end="2735" data-start="2534"><span style="font-size: medium;"><b>تتوالى الصور المؤلمة؛ فيرى أطفالًا ونساءً وشيوخًا يسقطون ضحايا للعنف، ويصور اقتلاع أشجار الزيتون بوصفه رمزًا لمحاولة محو الهوية والذاكرة، فالزيتون في النص ليس مجرد شجر، بل رمزٌ للأرض والجذور والانتماء.</b></span></p>
<p data-end="3010" data-start="2737"><span style="font-size: medium;"><b>ويبرز الكاتب معاناة المدنيين من الجوع والتهجير، حتى يصبح رغيف الخبز سببًا للصراع بين الأطفال والمسنين، بينما تستمر الطائرات في قصف الهاربين. ومن أكثر المشاهد تأثيرًا سقوط جنين امرأة حامل أثناء فرارها، وهو تصوير لفقدان الحياة قبل أن تبدأ، ولتحطم مستقبل جيلٍ كامل بسبب الحرب.</b></span></p>
<p data-end="3291" data-start="3012"><span style="font-size: medium;"><b>وفي نهاية النص يصل الصراع إلى بعده الرمزي، عندما يأمر الجندي الراوي بالرحيل من أرضه، فيرفض ذلك مؤكدًا أن الأرض ليست مجرد مكان، بل تاريخٌ ودماء وهوية، وأن حق الانتماء لا يُلغى بالقوة. ويختتم النص بفكرة أن النضال لا ينتهي بموت الأفراد، بل يستمر ما دامت الذاكرة حية في نفوس الأجيال.</b></span></p>
<p data-end="3473" data-is-last-node="" data-is-only-node="" data-start="3293"><span style="font-size: medium;"><b>النص في مجمله ليس مجرد سردٍ لأحداث حرب، بل هو شهادة أدبية على معاناة الإنسان، ودفاع عن الهوية، وتمسك بالأرض والكرامة، مع إدانة واضحة للعنف الذي يطال الإنسان والطبيعة والتاريخ معًا.</b></span></p></div></div></div></div><div class="z-0 flex min-h-[46px] justify-start"></div><div class="mt-3 w-full empty:hidden"><div class="text-center"></div></div></div></div></section></div></div><p><span style="font-size: medium;"><b><br /></b></span></p><p><br /></p>
تعليقات
إرسال تعليق