حين ظنّ الجميع أن الفقد انتهى، وأن اللقاء أعاد ما كسره القدر، تكشّف جرحٌ أعمق لم يُغلق بعد.
في الجزء الأول، افترق الحب قسرًا بين حادثٍ سرق الذاكرة وموتٍ خطف الأم، وبقي الطفل لغزًا معلقًا في صمتٍ موجع.
أما هنا، في الجزء الثاني، فعودة الوعي لا تعني نهاية الألم، بل بداية مواجهة الحقيقة… حين يقف الأبوان أمام الابن الأخرس، ولا يستطيع أحدٌ منهم أن ينطق بما يعرفه القلب.
الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي
رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثاني
خروج الزوجة من المستشفى
مرت الأيام وعلاء يتردد على المستشفى ويتابع تقارير حال زوجته، ويوماً ما أخبره الطبيب أن زوجته بحال طيبة، ويمكن أن تسترد وعيها بهدوء وتلقائية، وسوف تعود لحالتها الطبيعية أحسن مما كانت عليه.
كانت سعادة علاء لا حدود لها، وهو فرح لعودة زوجته إلى صحتها، ويحلم بعودة كل الأمور إلى طبيعتها، ومن الساعة الثالثة كان علاء فى المستشفى يتجول فى انتظار الموعد.
وصل الطبيب واستدعى الممرضة، وجلس علاء.
رجوع الطفلة
فحضرت الزوجة بصحبة الممرضة، ووقفت أمام الطبيب، ودار حوار سريع، بينما أشار الطبيب لعلاء، فتقدم إلى زوجته التى لم تتماسك نفسها من البكاء، وارتمت فى حضن زوجها وهى تبكى:
علاء... علاء..
وهو يهدهد بيديه كتفيها قائلاً:
زوجتي... زوجتي..
واصطحبها إلى البيت.
جلس الزوجان فى البيت يستعيدان الذكريات، بينما طُرِق الباب، ولما فتح الزوج كانت الممرضة ذات القلب الطيب تحمل طفلة جميلة ..........
تلقاها الزوجان بالفرح والسعادة والتهليل، وبينما كانت الزوجة تنهال بالتقبيل على الطفلة، بدأت الممرضة تحكى.
غياب الطفل
... في أحد الأيام من عامين تقريباً، سيدة كبيرة بصحبة زوجتك، عرفتك، عرفنا أنها أم زوجتك، أحضرت ابنتها وتم حجز الابنة، بينما خرجت هي، وبعد حوالي ثلاث ساعات حضرت إلى المستشفى جثة قد دهستها سيارة مسرعة.
شهادة الشهود أكدت أنها المخطئة، وأنها كانت تسير بدون وعي.
وأين طفلي؟
صاح علاء.
وقالت الممرضة:
"طفل" لم نسمع عن طفل.
مرت ثلاث أيام، والأسرة العائدة من الضياع تعيش مشاعر متناقضة بين السعادة لجمع الشمل، والحزن لفقد الطفل.
دق الباب، ولما فتحت الزوجة شاهدت رجلاً لم تعرفه، سألها عن علاء، نادت على زوجها، ولما حضر علاء حضن كل منهما الآخر.
قال الضيف:
قال علاء:
ونظر إلى زوجته وقال لها:
هذا نعم الصديق، لقد أخذني من الشارع بين الموت والحياة، وعالجني و....
كانت الزوجة تنظر إلى الرجل نظرة شكر وعرفان، وقالت:
لن ننس لك ما صنعت طيلة العمر.
بالغ علاء في الترحيب بصاحبه التاجر أحمد العلاف، الذي أخرج مبلغاً من النقود وقال:
هذا حقك يا علاء، لقد كنت تعمل معي، وكنت أدخر لك أجرك.
فرحت الزوجة، وفرح علاء، وقال لأحمد:
أنا لا أفهم شيئاً في التجارة، وهذه النقود سوف تضيع مني.
قال أحمد:
سوف نعمل معاً كما كنا، وسوف أقف بجوارك.
صاحت الزوجة:
بارك الله فيك يا حاج أحمد.
وراحت تدعو له بالصحة والعافية.
بدأ علاء مع الحاج أحمد يعملان في تجارة الملابس، وبدأ عملهما يتسع والمكسب يزداد، وبعد فترة افترق الصديقان، كل في بلده، يتراسلان أحياناً، حتى انقطعت أخبار الحاج أحمد العلاف.
مرت ثمانية عشر عاماً على تلك الحادثة (عودة علاء إلى زوجته)، وصار لعلاء شأن كبير ومحل كبير، وكانت ابنته قد التحقت بالجامعة بإحدى الكليات خارج المدينة.
كان نجاح علاء في التجارة قد سبب له عداوة مع بعض التجار، رغم أن علاء كان طيب القلب، لكن حرصه على النجاح جعله يظهر أمام البعض وكأنه يعادي لهم، فدبروا له مكيدة عن طريق أحد صبيانه.
وفي أحد الأيام كان علاء قد جمع أموالاً كثيرة لشراء قطعة أرض كبيرة، بل جمع عليها من بعض الناس، ووضع المبلغ كله في خزينة المحل.
وهنا انتبه ذلك الصبي، وراجع كل شيء، وفي جزء من الثانية أحدث هذا الصبي ماساً كهربياً، مما أدى إلى حريق هائل في المحل، بل إن هذا الصبي نفسه لم يستطع الخروج واحترق.
عادت حياة علاء إلى الفقر مرة أخرى، وكان دائماً يفوض أمره إلى الله قائلاً:
(حسبي الله ونعم الوكيل).
في يوم ذهبت ابنته كعادتها إلى الكلية، فقابلت إحدى صديقاتها، وكانت صديقتها تمسك صورة لها مرسومة بالفحم رائعة.
قالت لها أمل:
أريد صورة لي كهذه.. من رسمها لك؟
أجابت صاحبتها:
أخرس يسكن جوارنا.
هنا أعطتها أمل الصورة، وطلبت منها أن تذهب إليه بالصورة ليرسمها.
وحينما شاهد الفتى الأخرس تلك الصورة، شده شيء غامض لها، فطلب منها بالإشارة أن تأتي هي بنفسها صاحبة الصورة، وأشار لها على ملامح الصورة، ففهمت وذهبت إلى أمل قائلة لها:
إنه يريدك أنت، لأن الصورة غير واضحة.
ترددت أمل في الذهاب إلى الرسام، ولكن صاحبتها أكدت لها أنه ذو خلق رفيع، وأنها ستكون معها.
وأمام الرسام أصابتها الدهشة، كان الرسام الأخرس ينظر إليها بعينين حائرتين، لم يشر لشيء، وإنما كان يحدق فيها.
وكانت هي ترى فيه الملامح الكبيرة بينه وبين أبيها، وبدأ يرسم، وكأنه في حالات كثيرة تراه أباها.
انتهى من الرسم، ولم يأخذ منها أي مبلغ، بل أصر، وهي لم تبدِ اندهاشاً لذلك.
أسرعت إلى أبيها وأخبرته، لكن أباها استبعد أن يكون ذلك الأخرس ابنه الذي فقده يوماً ما، ويردد:
يخلق من الشبه أربعين.
كلما نامت جاءها الأخرس في المنام ملوحاً لها بإشارات لم تفهم معناها.
في الصباح أصرت أمل على أن يذهب معها أبوها وأمها، ولم تجد صعوبة في إقناعهما.
وأمام الرسام تحركت مشاعر الأمومة والأبوة، كادت الأم تعانق الرسام، بينما حاول علاء أن يفهم الرسام أنه أبوه.
كان التشابه بينهما مثيراً للانتباه.
ومع تلك الأصوات من الأب والأم والفتاة والأخرس، فتح الباب الداخلي رجل بدين، سلم عليهم قائلاً:
أهلاً وسهلاً.
قال علاء:
حضرتك والد الأستاذ؟
قال الرجل:
سؤال غريب، نعم ابني!
قال علاء:
معك غيره؟
قال الرجل:
هو حيلتي من الدنيا.
عادت الأسرة حزينة، وما زال في قلب الأب والأم إحساس أن الرسام هو طفلهما الذي ضاع.
ولما ذهب علاء إلى النوم، رأى أنه في "مولد"، رأى طفلاً مع أمه وأبيه، كان شاب يرسم نقوشاً على أجساد الأفراد، فرأى في الحلم أنه وزوجته يدقان على قدم الطفل حروفاً.
في الصباح حكى لزوجته ما رآه في المنام، وهنا فزعت الأم، وانخرطت بصوت عالٍ:
نعم، وجدت ذلك، تذكر، ألم نكتب على قدم الطفل؟ أتذكر تلك الحروف؟
( ع – ء – ل – ا – ا – ج – ء – ر )
صاح علاء:
ابني... ابني.
وخرج إلى الرسام.
دق باب الرسام، فتح الرجل، فلما رآه ارتبك، وظهر الغضب على وجهه، وصاح:
ماذا تريد؟
ذهبا الاثنان إلى الشرطة، وهناك كان اللقاء أسرع مما يتصور علاء.
سأل الشرطي كليهما سؤالاً واحداً:
من معه أوراق رسمية تثبت أن الأخرس ابنه؟
أخرج الأب الوهمي شهادة ميلاد الأخرس، وبينما وقف علاء يحكي الظروف التي مر بها هو وزوجته، إذ بالضابط يأمر بخروج الأب الوهمي وهو يقول:
نعم، أنت أبو الأخرس، وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء.
كانت شهادة الميلاد صحيحة وليست مزورة.
انتظروا الجزء الثالث
تمت طباعة هذا العمل عام 1998 م برقم إيداع 3989 / 98
<p>حين ظنّ الجميع أن الفقد انتهى، وأن اللقاء أعاد ما كسره القدر، تكشّف جرحٌ أعمق لم يُغلق بعد.<br data-end="638" data-start="635" />
في الجزء الأول، افترق الحب قسرًا بين حادثٍ سرق الذاكرة وموتٍ خطف الأم، وبقي الطفل لغزًا معلقًا في صمتٍ موجع.<br data-end="749" data-start="746" />
أما هنا، في الجزء الثاني، فعودة الوعي لا تعني نهاية الألم، بل بداية مواجهة الحقيقة… حين يقف الأبوان أمام الابن الأخرس، ولا يستطيع أحدٌ منهم أن ينطق بما يعرفه القلب.</p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhyWFM7D32fY9e9QJetc2f4mExncbvPKr7V4hckYTaRR5CkW67KcZCT2iGnAlFwZMTHt_IaUHz6ifFb0PucaPZodfdplQ8HhOywMy5ZmG5z44jSxiNzpkqf-wluD19HnaD1_bGN-LM_Y1tuBAnSuTZ3mL3tScqa9tDB5dI9U47k0n-T6i4i5xFAu_jAjGHm/s1536/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B1%D8%B3%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A.JPG" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img alt="رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثاني" border="0" data-original-height="1536" data-original-width="1024" height="640" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhyWFM7D32fY9e9QJetc2f4mExncbvPKr7V4hckYTaRR5CkW67KcZCT2iGnAlFwZMTHt_IaUHz6ifFb0PucaPZodfdplQ8HhOywMy5ZmG5z44jSxiNzpkqf-wluD19HnaD1_bGN-LM_Y1tuBAnSuTZ3mL3tScqa9tDB5dI9U47k0n-T6i4i5xFAu_jAjGHm/w426-h640-rw/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B1%D8%B3%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A.JPG" title="رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثاني" width="426" /></a></div><p></p><p>الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي</p><p>رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثاني</p><p data-end="285" data-start="254" style="text-align: right;"><b data-end="285" data-start="258" style="color: red;">خروج الزوجة من المستشفى</b></p>
<p data-end="474" data-start="287">مرت الأيام وعلاء يتردد على المستشفى ويتابع تقارير حال زوجته، ويوماً ما أخبره الطبيب أن زوجته بحال طيبة، ويمكن أن تسترد وعيها بهدوء وتلقائية، وسوف تعود لحالتها الطبيعية أحسن مما كانت عليه.</p>
<p data-end="634" data-start="476">كانت سعادة علاء لا حدود لها، وهو فرح لعودة زوجته إلى صحتها، ويحلم بعودة كل الأمور إلى طبيعتها، ومن الساعة الثالثة كان علاء فى المستشفى يتجول فى انتظار الموعد.</p>
<p data-end="674" data-start="636">وصل الطبيب واستدعى الممرضة، وجلس علاء.<span></span></p><a name="more"></a><p></p>
<p data-end="700" data-start="681" style="text-align: right;"><b data-end="700" data-start="685" style="color: red;">رجوع الطفلة</b></p>
<p data-end="867" data-start="702">فحضرت الزوجة بصحبة الممرضة، ووقفت أمام الطبيب، ودار حوار سريع، بينما أشار الطبيب لعلاء، فتقدم إلى زوجته التى لم تتماسك نفسها من البكاء، وارتمت فى حضن زوجها وهى تبكى:</p>
<p data-end="883" data-start="869">علاء... علاء..</p>
<p data-end="934" data-start="885">وهو يهدهد بيديه كتفيها قائلاً:<br data-end="918" data-start="915" />
زوجتي... زوجتي..</p>
<p data-end="955" data-start="936">واصطحبها إلى البيت.</p>
<p data-end="1086" data-start="957">جلس الزوجان فى البيت يستعيدان الذكريات، بينما طُرِق الباب، ولما فتح الزوج كانت الممرضة ذات القلب الطيب تحمل طفلة جميلة ..........</p>
<p data-end="1193" data-start="1088">تلقاها الزوجان بالفرح والسعادة والتهليل، وبينما كانت الزوجة تنهال بالتقبيل على الطفلة، بدأت الممرضة تحكى.<span></span></p><!--more--><p></p>
<p data-end="1218" data-start="1200" style="text-align: right;"><b data-end="1218" data-start="1204" style="color: red;">غياب الطفل</b></p>
<p data-end="1418" data-start="1220">... في أحد الأيام من عامين تقريباً، سيدة كبيرة بصحبة زوجتك، عرفتك، عرفنا أنها أم زوجتك، أحضرت ابنتها وتم حجز الابنة، بينما خرجت هي، وبعد حوالي ثلاث ساعات حضرت إلى المستشفى جثة قد دهستها سيارة مسرعة.</p>
<p data-end="1477" data-start="1420">شهادة الشهود أكدت أنها المخطئة، وأنها كانت تسير بدون وعي.</p>
<p data-end="1501" data-start="1479">وأين طفلي؟<br data-end="1492" data-start="1489" />
صاح علاء.</p>
<p data-end="1541" data-start="1503">وقالت الممرضة:<br data-end="1520" data-start="1517" />
"طفل" لم نسمع عن طفل.</p>
<p data-end="1645" data-start="1543">مرت ثلاث أيام، والأسرة العائدة من الضياع تعيش مشاعر متناقضة بين السعادة لجمع الشمل، والحزن لفقد الطفل.</p>
<p data-end="1765" data-start="1652">دق الباب، ولما فتحت الزوجة شاهدت رجلاً لم تعرفه، سألها عن علاء، نادت على زوجها، ولما حضر علاء حضن كل منهما الآخر.</p>
<p data-end="1779" data-start="1767">قال الضيف:</p>
<ul data-end="1815" data-start="1780"><li data-end="1815" data-start="1780">
<p data-end="1815" data-start="1782">حضرت ثلاث مرات ولم أجدك، أين كنت؟</p>
</li></ul>
<p data-end="1828" data-start="1817">قال علاء:</p>
<ul data-end="1880" data-start="1829"><li data-end="1880" data-start="1829">
<p data-end="1880" data-start="1831">يا صاحبي، كنت أبحث عن زوجتي وطفلي، ووجدت زوجتي...</p>
</li></ul>
<p data-end="1977" data-start="1882">ونظر إلى زوجته وقال لها:<br data-end="1909" data-start="1906" />
هذا نعم الصديق، لقد أخذني من الشارع بين الموت والحياة، وعالجني و....</p>
<p data-end="2061" data-start="1979">كانت الزوجة تنظر إلى الرجل نظرة شكر وعرفان، وقالت:<br data-end="2032" data-start="2029" />
لن ننس لك ما صنعت طيلة العمر.</p>
<p data-end="2199" data-start="2063">بالغ علاء في الترحيب بصاحبه التاجر أحمد العلاف، الذي أخرج مبلغاً من النقود وقال:<br data-end="2146" data-start="2143" />
هذا حقك يا علاء، لقد كنت تعمل معي، وكنت أدخر لك أجرك.</p>
<p data-end="2294" data-start="2201">فرحت الزوجة، وفرح علاء، وقال لأحمد:<br data-end="2239" data-start="2236" />
أنا لا أفهم شيئاً في التجارة، وهذه النقود سوف تضيع مني.</p>
<p data-end="2347" data-start="2296">قال أحمد:<br data-end="2308" data-start="2305" />
سوف نعمل معاً كما كنا، وسوف أقف بجوارك.</p>
<p data-end="2390" data-start="2349">صاحت الزوجة:<br data-end="2364" data-start="2361" />
بارك الله فيك يا حاج أحمد.</p>
<p data-end="2422" data-start="2392">وراحت تدعو له بالصحة والعافية.</p>
<p data-end="2600" data-start="2429">بدأ علاء مع الحاج أحمد يعملان في تجارة الملابس، وبدأ عملهما يتسع والمكسب يزداد، وبعد فترة افترق الصديقان، كل في بلده، يتراسلان أحياناً، حتى انقطعت أخبار الحاج أحمد العلاف.</p>
<p data-end="2751" data-start="2602">مرت ثمانية عشر عاماً على تلك الحادثة (عودة علاء إلى زوجته)، وصار لعلاء شأن كبير ومحل كبير، وكانت ابنته قد التحقت بالجامعة بإحدى الكليات خارج المدينة.</p>
<p data-end="2934" data-start="2758">كان نجاح علاء في التجارة قد سبب له عداوة مع بعض التجار، رغم أن علاء كان طيب القلب، لكن حرصه على النجاح جعله يظهر أمام البعض وكأنه يعادي لهم، فدبروا له مكيدة عن طريق أحد صبيانه.</p>
<p data-end="3061" data-start="2936">وفي أحد الأيام كان علاء قد جمع أموالاً كثيرة لشراء قطعة أرض كبيرة، بل جمع عليها من بعض الناس، ووضع المبلغ كله في خزينة المحل.</p>
<p data-end="3224" data-start="3063">وهنا انتبه ذلك الصبي، وراجع كل شيء، وفي جزء من الثانية أحدث هذا الصبي ماساً كهربياً، مما أدى إلى حريق هائل في المحل، بل إن هذا الصبي نفسه لم يستطع الخروج واحترق.</p>
<p data-end="3331" data-start="3231">عادت حياة علاء إلى الفقر مرة أخرى، وكان دائماً يفوض أمره إلى الله قائلاً:<br data-end="3307" data-start="3304" />
(حسبي الله ونعم الوكيل).</p>
<p data-end="3441" data-start="3333">في يوم ذهبت ابنته كعادتها إلى الكلية، فقابلت إحدى صديقاتها، وكانت صديقتها تمسك صورة لها مرسومة بالفحم رائعة.</p>
<p data-end="3491" data-start="3443">قالت لها أمل:<br data-end="3459" data-start="3456" />
أريد صورة لي كهذه.. من رسمها لك؟</p>
<p data-end="3527" data-start="3493">أجابت صاحبتها:<br data-end="3510" data-start="3507" />
أخرس يسكن جوارنا.</p>
<p data-end="3592" data-start="3529">هنا أعطتها أمل الصورة، وطلبت منها أن تذهب إليه بالصورة ليرسمها.</p>
<p data-end="3802" data-start="3599">وحينما شاهد الفتى الأخرس تلك الصورة، شده شيء غامض لها، فطلب منها بالإشارة أن تأتي هي بنفسها صاحبة الصورة، وأشار لها على ملامح الصورة، ففهمت وذهبت إلى أمل قائلة لها:<br data-end="3766" data-start="3763" />
إنه يريدك أنت، لأن الصورة غير واضحة.</p>
<p data-end="3892" data-start="3804">ترددت أمل في الذهاب إلى الرسام، ولكن صاحبتها أكدت لها أنه ذو خلق رفيع، وأنها ستكون معها.</p>
<p data-end="4001" data-start="3894">وأمام الرسام أصابتها الدهشة، كان الرسام الأخرس ينظر إليها بعينين حائرتين، لم يشر لشيء، وإنما كان يحدق فيها.</p>
<p data-end="4096" data-start="4003">وكانت هي ترى فيه الملامح الكبيرة بينه وبين أبيها، وبدأ يرسم، وكأنه في حالات كثيرة تراه أباها.</p>
<p data-end="4171" data-start="4098">انتهى من الرسم، ولم يأخذ منها أي مبلغ، بل أصر، وهي لم تبدِ اندهاشاً لذلك.</p>
<p data-end="4289" data-start="4173">أسرعت إلى أبيها وأخبرته، لكن أباها استبعد أن يكون ذلك الأخرس ابنه الذي فقده يوماً ما، ويردد:<br data-end="4268" data-start="4265" />
يخلق من الشبه أربعين.</p>
<p data-end="4363" data-start="4296">كلما نامت جاءها الأخرس في المنام ملوحاً لها بإشارات لم تفهم معناها.</p>
<p data-end="4440" data-start="4365">في الصباح أصرت أمل على أن يذهب معها أبوها وأمها، ولم تجد صعوبة في إقناعهما.</p>
<p data-end="4548" data-start="4442">وأمام الرسام تحركت مشاعر الأمومة والأبوة، كادت الأم تعانق الرسام، بينما حاول علاء أن يفهم الرسام أنه أبوه.</p>
<p data-end="4585" data-start="4550">كان التشابه بينهما مثيراً للانتباه.</p>
<p data-end="4695" data-start="4587">ومع تلك الأصوات من الأب والأم والفتاة والأخرس، فتح الباب الداخلي رجل بدين، سلم عليهم قائلاً:<br data-end="4682" data-start="4679" />
أهلاً وسهلاً.</p>
<p data-end="4728" data-start="4697">قال علاء:<br data-end="4709" data-start="4706" />
حضرتك والد الأستاذ؟</p>
<p data-end="4763" data-start="4730">قال الرجل:<br data-end="4743" data-start="4740" />
سؤال غريب، نعم ابني!</p>
<p data-end="4786" data-start="4765">قال علاء:<br data-end="4777" data-start="4774" />
معك غيره؟</p>
<p data-end="4820" data-start="4788">قال الرجل:<br data-end="4801" data-start="4798" />
هو حيلتي من الدنيا.</p>
<p data-end="4907" data-start="4827">عادت الأسرة حزينة، وما زال في قلب الأب والأم إحساس أن الرسام هو طفلهما الذي ضاع.</p>
<p data-end="5068" data-start="4909">ولما ذهب علاء إلى النوم، رأى أنه في "مولد"، رأى طفلاً مع أمه وأبيه، كان شاب يرسم نقوشاً على أجساد الأفراد، فرأى في الحلم أنه وزوجته يدقان على قدم الطفل حروفاً.</p>
<p data-end="5208" data-start="5070">في الصباح حكى لزوجته ما رآه في المنام، وهنا فزعت الأم، وانخرطت بصوت عالٍ:<br data-end="5146" data-start="5143" />
نعم، وجدت ذلك، تذكر، ألم نكتب على قدم الطفل؟ أتذكر تلك الحروف؟</p>
<p data-end="5243" data-start="5210">( ع – ء – ل – ا – ا – ج – ء – ر )</p>
<p data-end="5270" data-start="5245">صاح علاء:<br data-end="5257" data-start="5254" />
ابني... ابني.</p>
<p data-end="5288" data-start="5272">وخرج إلى الرسام.</p>
<p data-end="5376" data-start="5295">دق باب الرسام، فتح الرجل، فلما رآه ارتبك، وظهر الغضب على وجهه، وصاح:<br data-end="5366" data-start="5363" />
ماذا تريد؟</p>
<ul data-end="5460" data-start="5378"><li data-end="5392" data-start="5378">
<p data-end="5392" data-start="5380">أريد ابني.</p>
</li><li data-end="5431" data-start="5393">
<p data-end="5431" data-start="5395">أنت مجنون! أنا سأطلب الشرطة حالاً.</p>
</li><li data-end="5460" data-start="5432">
<p data-end="5460" data-start="5434">اطلب الشرطة، بل سأذهب معك.</p>
</li></ul>
<p data-end="5524" data-start="5462">ذهبا الاثنان إلى الشرطة، وهناك كان اللقاء أسرع مما يتصور علاء.</p>
<p data-end="5600" data-start="5526">سأل الشرطي كليهما سؤالاً واحداً:<br data-end="5561" data-start="5558" />
من معه أوراق رسمية تثبت أن الأخرس ابنه؟</p>
<p data-end="5733" data-start="5602">أخرج الأب الوهمي شهادة ميلاد الأخرس، وبينما وقف علاء يحكي الظروف التي مر بها هو وزوجته، إذ بالضابط يأمر بخروج الأب الوهمي وهو يقول:</p>
<p data-end="5787" data-start="5735">نعم، أنت أبو الأخرس، وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء.</p>
<p data-end="5826" data-start="5789">كانت شهادة الميلاد صحيحة وليست مزورة.</p><p>انتظروا الجزء الثالث</p><p><span style="color: #2b00fe; font-size: large;">تمت طباعة هذا العمل عام 1998 م برقم إيداع 3989 / 98 </span><br /></p>
تعليقات
إرسال تعليق