في الجزء الثاني، عاد الوعي وكُشف السر، لكن الحقيقة ظلت حبيسة الأوراق والأختام.
وقف الأبوان أمام الابن الأخرس، يعرفه القلب ويُنكره القانون، وخرجوا من المحكمة بجرحٍ أعمق من الفقد.
أما هنا، في الجزء الثالث والأخير، فلا مجال للظنون ولا للصمت؛ حين ينطق العدل أخيرًا، وتُنتزع الحقيقة من بين الركام، تبدأ الحكاية من جديد… لا بالصوت، بل بالحق.
الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي
رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثالث والأخير
في ساحة المحكمة
دوى صوت: "محكمة".
دخل القاضي والمستشار ووكيل النيابة، بينما وقف علاء، والأب الوهمي، والزوجة، والأخرس، وتطلعت العيون إلى القاضي الذي بدأ يسأل.
كانت المحكمة قد أتت بخبير للغة الخرس ليتعامل معه أثناء مداولة ومناقشة القاضي له.
فسأل القاضي علاء:
وأنت؟
قال علاء:
أنا أبوه، ولكني حكيت في محضر الشرطة الظروف التي مررت بها أنا وزوجتي.
القاضي:
حدد بأوراق رسمية أو شهود أو أدلة كافية، هل أنت والد الأخرس؟
صمت علاء، وفجأة قال:
نعم، عندي شاهد.
القاضي:
من؟ أين هو؟
قال:
سوف أحضره.
قال القاضي:
تؤجل القضية لحين حضور شهود الإثبات إلى 15 من الشهر القادم.
مرت أيام قليلة، والأب يفكر في شهادة الشهود.
ليس أمامه إلا التاجر، ونجح في تذكر عنوانه.
فسافر إليه، وقد اشتاق له، وطرق الباب، لكن فتح له شاب أنيق في العقد الثالث من عمره.
فسأله:
الحاج أحمد العلاف موجود؟
رحب به الشاب، ثم أخبره بأن الحاج أحمد قد توفي منذ فترة.
هنا حزن علاء حزنًا كبيرًا، حزن لأن صاحبه مات الذي أنقذه قديمًا من الموت ورد له المال، وحزن لأنه علق عليه الآمال في إثبات أن الأخرس ابنه.
كان يبكي، فسأله الشاب:
أنت تعرف أبي؟
قال علاء:
تذكر يا ولدي ذلك الغريب الذي أتى عندكم وكان فاقد الذاكرة، وأخيرًا عادت إليه ذاكرته من عشرين عامًا، هل تذكر ذلك؟
هنا صاح الشاب:
نعم أذكره، فيه ملامح منك.
فقال علاء:
أنا ذلك الرجل!
حكى علاء قصته للشاب، ووعد الشاب أن يذهب إلى المحكمة حسبما طلب منه علاء.
أخبر علاء ذلك الشاب بموعد الجلسة والمكان، وانصرف إلى المستشفى ليأخذ من الأوراق الرسمية ما يثبت أن زوجته في ذلك الوقت كانت محجوزة للعلاج من مرض عصبي.
عودة إلى المحكمة
جاء يوم المحكمة، وصاح الحاجب: "محكمة".
كل شيء تم كما سبق في المرة الأولى.
سأل القاضي علاء:
أحضرت الشهود؟
صاح:
نعم.
القاضي:
من؟
قال:
هذا الشاب، وبعض المستندات.
القاضي:
ما اسمك وعنوانك؟
الشاب:
أسامة أحمد العلاف، 30 سنة، تاجر.
القاضي:
ماذا تعرف عن هذا الرجل؟
الشاب:
لقيه والدي بين الموت والحياة، وأسرع به إلينا، وتم علاجه، وجلس بيننا فاقد الذاكرة، ومن عشرين عامًا عادت إليه ذاكرته فتركنا وسافر.
القاضي:
كم كان عمرك حين جاء إليكم؟
الشاب:
حوالي ثماني سنوات.
القاضي:
أتذكر أحداثًا من عشرين سنة؟
سبحان الله، تفضل استرح.
تسقط شهادته.
القاضي:
أيوه يا علاء، فين المستندات؟
علاء:
أخرج المستندات، وتقدم بها إلى سيادته.
كانت الأوراق تؤكد دخول زوجته إلى المستشفى وهي حامل، تعاني من أمراض نفسية، ووضعت هناك، وأن أمها ماتت في حادثة في نفس اليوم، وكل الأدلة الخاصة بالطفل مع الأم التي ماتت في الحادث.
القاضي:
لا يوجد يا سيد علاء في الأوراق ما يثبت أن الأخرس ابنك!
فهل معك دليل واحد يكفي؟
صاح علاء:
نعم، معي دليل واحد.
القاضي:
ما هو؟
قال:
أرجو من هيئة المحكمة أن تكشف على قدم الأخرس، فلقد قمت أنا وزوجتي بدق حروف أسمائنا متفرقة على قدمه وهو صغير.
أشار القاضي إلى المترجم، الذي طلب من الأخرس خلع الحذاء والجورب.
المفاجأة
كانت المفاجأة للجميع:
نعم، هناك حروف العين – الجيم – الراء، وهناك حروف ضائعة.
القاضي:
جاء التقرير يؤكد أن الحروف تشابه حروف الأب والأم.
لكن القاضي قرر أن تشابه الحروف ليس دليلًا كافيًا على إثبات نسب الأخرس، وإليه قررت رفض الدعوى شكلًا وموضوعًا، ورد الأخرس إلى أبيه الوهمي.
عاد علاء إلى بيته حزينًا، ثم خرج إلى أحد المحامين المشهورين بالبراعة، وجلس إليه، وحكى له كل شيء.
بعد صمت، قال المحامي:
وبعد حوار طويل عرف المحامي خلاله صدق علاء، ووعد بسرعة التدخل.
تقدم المحامي بدعوى إلى المحكمة لطلب الكشف على الزوجين الوهميين، ووافقت المحكمة على طلب المحامي.
الحقيقة
جاء تقرير المستشفى أن الزوجين الوهميين لم ينجبا أبدًا، فهما مصابان بالعقم!
صاح القاضي للأب الوهمي:
من أين أتيت بهذا الطفل؟
قال الأب الوهمي، وهو حزين مطرق الرأس باكيًا:
سأحكي لكم القصة من أولها إلى نهايتها.
يوماً ما ذهبت إلى بلد غير بلدي لأفتتح معرضًا، وبعد يومين هناك في الصباح الباكر، فوجئت بامرأة معها طفل صغير، ومعها شابة مرهقة ومتعبة.
طلبت مني بقاء الطفل معي بعد أن علمت أني جارهم الذي سكنت منذ يومين، وانصرفت.
علمت بعد ذلك أنها ماتت في حادث بالقرب من المستشفى.
فرحت أنا وزوجتي، وعدنا مسرعين إلى بلدنا ومعنا الطفل، وقمت بتحرير شهادة ميلاد له.
كان عمر الطفل عشر سنوات حين لاحظته يعتني بالفرشاة واللوحة، ورأيت فيه موهبة الرسم، فساعدته في ذلك، خاصة أنه أخرس ولن يذهب إلى المدرسة.
وهذه هي القصة.
وراح يبكي بصوت عالٍ.
الحكم
القاضي:
قررت المحكمة نسب الطفل الأخرس إلى أبيه الحقيقي، وشطب شهادة ميلاده، وتحرير شهادة ميلاد أخرى له.
كانت السعادة لا حد لها لدى علاء وزوجته وابنهما بعودة الأخرس إليهم، بينما كان الأخرس صامتًا مندهشًا لا يعلم ماذا يدور في الجلسة من حوله.
كان الأب الوهمي جالسًا، رأسه يتدلى فوق بطنه، وظن الجميع أنه يبكي، ولما اقتربت منه زوجته صرخت صرخة مدوية:
زوجي.. زوجي!
فقد لفظ أنفاسه الأخيرة، ومات بالسكتة القلبية.
فهم الأخرس بإشارات من المترجم كل ما يحدث حوله.
عاشت الأسرة سعادة كبيرة، بينما كان الأخرس يحس بحزن كبير لموت ذلك الرجل الذي نشأ في أحضانه وتربى على يديه.
وذات يوم جاءت أخته إليه ومعها صاحبتها.
أشار الأخرس إشارات فهمتها الصاحبة، وقالت:
إنه يريد الزواج مني.
سأخبر والدتي، ولا أدري هل توافق أن أتزوج من أخرس؟
جلست الفتاة إلى أمها، وأخبرتها أن الرسام الذي كان يسكن بجوارنا يريد الزواج مني.
فثارت الأم وغضبت، وقالت:
كيف تتزوجين من الأخرس هذا؟
قالت ابنتها:
إنه يحبني، إنه فنان موهوب، وأنا لا أخفي عليك أحبه.
قالت الأم:
فليحضر أبوه وأمه لنتناقش معًا.
في المساء أعدت الممرضة وابنتها المكان لاستقبال الضيوف، ولما حضروا كانت المفاجأة الكبرى.
فقد تعرفت عليهم، إنه الرجل الذي عاد وتسلم زوجته منذ فترة، وهذه الفتاة التي كنت أربيها.
وأعادتها إليهم، لقد قامت الممرضة برضاعة تلك الابنة هنا.
أحست الأم الممرضة أن ابنتها ترغب في الأخرس، ولقد اقتنعت الأم بالأسرة وبشخصية الأخرس، وقالت:
على بركة الله.
وأخيرًا عرفت هذه الأسرة سعادة حقيقية، وبدأ الأخرس يعيش كل السعادة.
إلى هنا تنتهي رواية الأخرس والأبوان
تمت طباعة هذا العمل عام 1998 م برقم إيداع 3989 / 98
<p>في الجزء الثاني، عاد الوعي وكُشف السر، لكن الحقيقة ظلت حبيسة الأوراق والأختام.<br data-end="614" data-start="611" />
وقف الأبوان أمام الابن الأخرس، يعرفه القلب ويُنكره القانون، وخرجوا من المحكمة بجرحٍ أعمق من الفقد.<br data-end="715" data-start="712" />
أما هنا، في الجزء الثالث والأخير، فلا مجال للظنون ولا للصمت؛ حين ينطق العدل أخيرًا، وتُنتزع الحقيقة من بين الركام، تبدأ الحكاية من جديد… لا بالصوت، بل بالحق.</p><div class="separator" style="clear: both; text-align: center;"><a href="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjSCgcZaCf2r-iCHf1J-CZwQjiDuiLB4GHBnb1J_bN5606xWsfcSAj1CUuiTqVTnRVker2BPgC9AsfN8VYT1-dVTg1rwUEjBC5bVpEADMNipDE6qGqJtmuC_lXBnBTRTWHPqxpEf4vcltu_zYkYKF8k00R4R1yQZP6GBiXNJHtUJZpoZg115zyr9StuNhMT/s1536/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B1%D8%B3%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%A7%D9%86%20%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%8A%D8%B1.jpg" style="margin-left: 1em; margin-right: 1em;"><img alt="رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثالث والأخير" border="0" data-original-height="1536" data-original-width="1024" height="640" loading="lazy" src="https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjSCgcZaCf2r-iCHf1J-CZwQjiDuiLB4GHBnb1J_bN5606xWsfcSAj1CUuiTqVTnRVker2BPgC9AsfN8VYT1-dVTg1rwUEjBC5bVpEADMNipDE6qGqJtmuC_lXBnBTRTWHPqxpEf4vcltu_zYkYKF8k00R4R1yQZP6GBiXNJHtUJZpoZg115zyr9StuNhMT/w426-h640-rw/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B1%D8%B3%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%A7%D9%86%20%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%8A%D8%B1.jpg" title="رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثالث والأخير" width="426" /></a></div><p></p>الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي<br /><p><span><span class="UHwcef">رواية الأخرس والأبوان | الجزء الثالث والأخير<br /></span></span></p><p data-end="253" data-start="230" style="text-align: right;"><b data-end="253" data-start="234" style="color: red;">في ساحة المحكمة</b></p>
<p data-end="276" data-start="255">دوى صوت: <b data-end="275" data-start="264">"محكمة"</b>.</p>
<p data-end="401" data-start="278">دخل القاضي والمستشار ووكيل النيابة، بينما وقف علاء، والأب الوهمي، والزوجة، والأخرس، وتطلعت العيون إلى القاضي الذي بدأ يسأل.</p>
<p data-end="483" data-start="403">كانت المحكمة قد أتت بخبير للغة الخرس ليتعامل معه أثناء مداولة ومناقشة القاضي له.</p>
<ul data-end="543" data-start="490"><li data-end="510" data-start="490">
<p data-end="510" data-start="492">أنت والد الأخرس؟</p>
</li><li data-end="543" data-start="511">
<p data-end="543" data-start="513">قال: نعم، والأوراق أمامك تثبت.</p>
</li></ul>
<p data-end="570" data-start="545">فسأل القاضي علاء:<br data-end="565" data-start="562" />
وأنت؟</p>
<p data-end="652" data-start="572">قال علاء:<br data-end="584" data-start="581" />
أنا أبوه، ولكني حكيت في محضر الشرطة الظروف التي مررت بها أنا وزوجتي.</p>
<p data-end="723" data-start="654">القاضي:<br data-end="664" data-start="661" />
حدد بأوراق رسمية أو شهود أو أدلة كافية، هل أنت والد الأخرس؟</p>
<p data-end="763" data-start="725">صمت علاء، وفجأة قال:<br data-end="748" data-start="745" />
نعم، عندي شاهد.</p>
<p data-end="786" data-start="765">القاضي:<br data-end="775" data-start="772" />
من؟ أين هو؟</p>
<p data-end="805" data-start="788">قال:<br data-end="795" data-start="792" />
سوف أحضره.</p>
<p data-end="879" data-start="807">قال القاضي:<br data-end="821" data-start="818" />
تؤجل القضية لحين حضور شهود الإثبات إلى 15 من الشهر القادم.</p>
<p data-end="974" data-start="886">مرت أيام قليلة، والأب يفكر في شهادة الشهود.<br data-end="932" data-start="929" />
ليس أمامه إلا التاجر، ونجح في تذكر عنوانه.</p>
<p data-end="1058" data-start="976">فسافر إليه، وقد اشتاق له، وطرق الباب، لكن فتح له شاب أنيق في العقد الثالث من عمره.</p>
<p data-end="1093" data-start="1060">فسأله:<br data-end="1069" data-start="1066" />
الحاج أحمد العلاف موجود؟</p>
<p data-end="1150" data-start="1095">رحب به الشاب، ثم أخبره بأن الحاج أحمد قد توفي منذ فترة.</p>
<p data-end="1288" data-start="1152">هنا حزن علاء حزنًا كبيرًا، حزن لأن صاحبه مات الذي أنقذه قديمًا من الموت ورد له المال، وحزن لأنه علق عليه الآمال في إثبات أن الأخرس ابنه.</p>
<p data-end="1328" data-start="1290">كان يبكي، فسأله الشاب:<br data-end="1315" data-start="1312" />
أنت تعرف أبي؟</p>
<p data-end="1453" data-start="1330">قال علاء:<br data-end="1342" data-start="1339" />
تذكر يا ولدي ذلك الغريب الذي أتى عندكم وكان فاقد الذاكرة، وأخيرًا عادت إليه ذاكرته من عشرين عامًا، هل تذكر ذلك؟</p>
<p data-end="1497" data-start="1455">هنا صاح الشاب:<br data-end="1472" data-start="1469" />
نعم أذكره، فيه ملامح منك.</p>
<p data-end="1526" data-start="1499">فقال علاء:<br data-end="1512" data-start="1509" />
أنا ذلك الرجل!</p>
<p data-end="1599" data-start="1528">حكى علاء قصته للشاب، ووعد الشاب أن يذهب إلى المحكمة حسبما طلب منه علاء.</p>
<p data-end="1749" data-start="1601">أخبر علاء ذلك الشاب بموعد الجلسة والمكان، وانصرف إلى المستشفى ليأخذ من الأوراق الرسمية ما يثبت أن زوجته في ذلك الوقت كانت محجوزة للعلاج من مرض عصبي.<span></span></p><a name="more"></a><p></p>
<p data-end="1780" data-start="1756" style="text-align: right;"><b data-end="1780" data-start="1760" style="color: red;">عودة إلى المحكمة</b></p>
<p data-end="1824" data-start="1782">جاء يوم المحكمة، وصاح الحاجب: <b data-end="1823" data-start="1812">"محكمة"</b>.</p>
<p data-end="1860" data-start="1826">كل شيء تم كما سبق في المرة الأولى.</p>
<p data-end="1894" data-start="1862">سأل القاضي علاء:<br data-end="1881" data-start="1878" />
أحضرت الشهود؟</p>
<p data-end="1907" data-start="1896">صاح:<br data-end="1903" data-start="1900" />
نعم.</p>
<p data-end="1922" data-start="1909">القاضي:<br data-end="1919" data-start="1916" />
من؟</p>
<p data-end="1957" data-start="1924">قال:<br data-end="1931" data-start="1928" />
هذا الشاب، وبعض المستندات.</p>
<p data-end="1985" data-start="1959">القاضي:<br data-end="1969" data-start="1966" />
ما اسمك وعنوانك؟</p>
<p data-end="2028" data-start="1987">الشاب:<br data-end="1996" data-start="1993" />
أسامة أحمد العلاف، 30 سنة، تاجر.</p>
<p data-end="2063" data-start="2030">القاضي:<br data-end="2040" data-start="2037" />
ماذا تعرف عن هذا الرجل؟</p>
<p data-end="2202" data-start="2065">الشاب:<br data-end="2074" data-start="2071" />
لقيه والدي بين الموت والحياة، وأسرع به إلينا، وتم علاجه، وجلس بيننا فاقد الذاكرة، ومن عشرين عامًا عادت إليه ذاكرته فتركنا وسافر.</p>
<p data-end="2240" data-start="2204">القاضي:<br data-end="2214" data-start="2211" />
كم كان عمرك حين جاء إليكم؟</p>
<p data-end="2269" data-start="2242">الشاب:<br data-end="2251" data-start="2248" />
حوالي ثماني سنوات.</p>
<p data-end="2334" data-start="2271">القاضي:<br data-end="2281" data-start="2278" />
أتذكر أحداثًا من عشرين سنة؟<br data-end="2311" data-start="2308" />
سبحان الله، تفضل استرح.</p>
<p data-end="2352" data-start="2336"><b data-end="2352" data-start="2336">تسقط شهادته.</b></p>
<p data-end="2397" data-start="2359">القاضي:<br data-end="2369" data-start="2366" />
أيوه يا علاء، فين المستندات؟</p>
<p data-end="2444" data-start="2399">علاء:<br data-end="2407" data-start="2404" />
أخرج المستندات، وتقدم بها إلى سيادته.</p>
<p data-end="2622" data-start="2446">كانت الأوراق تؤكد دخول زوجته إلى المستشفى وهي حامل، تعاني من أمراض نفسية، ووضعت هناك، وأن أمها ماتت في حادثة في نفس اليوم، وكل الأدلة الخاصة بالطفل مع الأم التي ماتت في الحادث.</p>
<p data-end="2688" data-start="2624">القاضي:<br data-end="2634" data-start="2631" />
لا يوجد يا سيد علاء في الأوراق ما يثبت أن الأخرس ابنك!</p>
<p data-end="2713" data-start="2690">فهل معك دليل واحد يكفي؟</p>
<p data-end="2746" data-start="2715">صاح علاء:<br data-end="2727" data-start="2724" />
نعم، معي دليل واحد.</p>
<p data-end="2764" data-start="2748">القاضي:<br data-end="2758" data-start="2755" />
ما هو؟</p>
<p data-end="2880" data-start="2766">قال:<br data-end="2773" data-start="2770" />
أرجو من هيئة المحكمة أن تكشف على قدم الأخرس، فلقد قمت أنا وزوجتي بدق حروف أسمائنا متفرقة على قدمه وهو صغير.</p>
<p data-end="2945" data-start="2882">أشار القاضي إلى المترجم، الذي طلب من الأخرس خلع الحذاء والجورب.<span></span></p><!--more--><p></p>
<p data-end="2968" data-start="2952" style="text-align: right;"><b data-end="2968" data-start="2956" style="color: red;">المفاجأة</b></p>
<p data-end="3049" data-start="2970">كانت المفاجأة للجميع:<br data-end="2994" data-start="2991" />
نعم، هناك حروف العين – الجيم – الراء، وهناك حروف ضائعة.</p>
<p data-end="3110" data-start="3051">القاضي:<br data-end="3061" data-start="3058" />
جاء التقرير يؤكد أن الحروف تشابه حروف الأب والأم.</p>
<p data-end="3248" data-start="3112">لكن القاضي قرر أن تشابه الحروف ليس دليلًا كافيًا على إثبات نسب الأخرس، وإليه قررت رفض الدعوى شكلًا وموضوعًا، ورد الأخرس إلى أبيه الوهمي.</p>
<p data-end="3351" data-start="3255">عاد علاء إلى بيته حزينًا، ثم خرج إلى أحد المحامين المشهورين بالبراعة، وجلس إليه، وحكى له كل شيء.</p>
<p data-end="3376" data-start="3353">بعد صمت، قال المحامي:</p>
<ul data-end="3484" data-start="3377"><li data-end="3406" data-start="3377">
<p data-end="3406" data-start="3379">أنت متأكد أن الأخرس ابنك؟</p>
</li><li data-end="3415" data-start="3407">
<p data-end="3415" data-start="3409">نعم.</p>
</li><li data-end="3434" data-start="3416">
<p data-end="3434" data-start="3418">كيف وصلت إليه؟</p>
</li><li data-end="3447" data-start="3435">
<p data-end="3447" data-start="3437">لا أعلم.</p>
</li><li data-end="3484" data-start="3448">
<p data-end="3484" data-start="3450">حاول تفتكر في الوقت الطفل كان فين؟</p>
</li></ul>
<p data-end="3547" data-start="3486">وبعد حوار طويل عرف المحامي خلاله صدق علاء، ووعد بسرعة التدخل.</p>
<p data-end="3644" data-start="3549">تقدم المحامي بدعوى إلى المحكمة لطلب الكشف على الزوجين الوهميين، ووافقت المحكمة على طلب المحامي.<span></span></p><!--more--><p></p>
<p data-end="3666" data-start="3651" style="text-align: right;"><b data-end="3666" data-start="3655" style="color: red;">الحقيقة</b></p>
<p data-end="3742" data-start="3668">جاء تقرير المستشفى أن الزوجين الوهميين لم ينجبا أبدًا، فهما مصابان بالعقم!</p>
<p data-end="3793" data-start="3744">صاح القاضي للأب الوهمي:<br data-end="3770" data-start="3767" />
من أين أتيت بهذا الطفل؟</p>
<p data-end="3879" data-start="3795">قال الأب الوهمي، وهو حزين مطرق الرأس باكيًا:<br data-end="3842" data-start="3839" />
سأحكي لكم القصة من أولها إلى نهايتها.</p>
<p data-end="4013" data-start="3881">يوماً ما ذهبت إلى بلد غير بلدي لأفتتح معرضًا، وبعد يومين هناك في الصباح الباكر، فوجئت بامرأة معها طفل صغير، ومعها شابة مرهقة ومتعبة.</p>
<p data-end="4090" data-start="4015">طلبت مني بقاء الطفل معي بعد أن علمت أني جارهم الذي سكنت منذ يومين، وانصرفت.</p>
<p data-end="4142" data-start="4092">علمت بعد ذلك أنها ماتت في حادث بالقرب من المستشفى.</p>
<p data-end="4224" data-start="4144">فرحت أنا وزوجتي، وعدنا مسرعين إلى بلدنا ومعنا الطفل، وقمت بتحرير شهادة ميلاد له.</p>
<p data-end="4359" data-start="4226">كان عمر الطفل عشر سنوات حين لاحظته يعتني بالفرشاة واللوحة، ورأيت فيه موهبة الرسم، فساعدته في ذلك، خاصة أنه أخرس ولن يذهب إلى المدرسة.</p>
<p data-end="4375" data-start="4361">وهذه هي القصة.</p>
<p data-end="4397" data-start="4377">وراح يبكي بصوت عالٍ.<span></span></p><!--more--><p></p>
<p data-end="4417" data-start="4404" style="text-align: right;"><b data-end="4417" data-start="4408" style="color: red;">الحكم</b></p>
<p data-end="4523" data-start="4419">القاضي:<br data-end="4429" data-start="4426" />
قررت المحكمة نسب الطفل الأخرس إلى أبيه الحقيقي، وشطب شهادة ميلاده، وتحرير شهادة ميلاد أخرى له.</p>
<p data-end="4660" data-start="4525">كانت السعادة لا حد لها لدى علاء وزوجته وابنهما بعودة الأخرس إليهم، بينما كان الأخرس صامتًا مندهشًا لا يعلم ماذا يدور في الجلسة من حوله.</p>
<p data-end="4781" data-start="4662">كان الأب الوهمي جالسًا، رأسه يتدلى فوق بطنه، وظن الجميع أنه يبكي، ولما اقتربت منه زوجته صرخت صرخة مدوية:<br data-end="4769" data-start="4766" />
زوجي.. زوجي!</p>
<p data-end="4828" data-start="4783">فقد لفظ أنفاسه الأخيرة، ومات بالسكتة القلبية.</p>
<p data-end="4881" data-start="4835">فهم الأخرس بإشارات من المترجم كل ما يحدث حوله.</p>
<p data-end="4988" data-start="4883">عاشت الأسرة سعادة كبيرة، بينما كان الأخرس يحس بحزن كبير لموت ذلك الرجل الذي نشأ في أحضانه وتربى على يديه.</p>
<p data-end="5028" data-start="4990">وذات يوم جاءت أخته إليه ومعها صاحبتها.</p>
<p data-end="5094" data-start="5030">أشار الأخرس إشارات فهمتها الصاحبة، وقالت:<br data-end="5074" data-start="5071" />
إنه يريد الزواج مني.</p>
<p data-end="5145" data-start="5096">سأخبر والدتي، ولا أدري هل توافق أن أتزوج من أخرس؟</p>
<p data-end="5226" data-start="5147">جلست الفتاة إلى أمها، وأخبرتها أن الرسام الذي كان يسكن بجوارنا يريد الزواج مني.</p>
<p data-end="5281" data-start="5228">فثارت الأم وغضبت، وقالت:<br data-end="5255" data-start="5252" />
كيف تتزوجين من الأخرس هذا؟</p>
<p data-end="5348" data-start="5283">قالت ابنتها:<br data-end="5298" data-start="5295" />
إنه يحبني، إنه فنان موهوب، وأنا لا أخفي عليك أحبه.</p>
<p data-end="5393" data-start="5350">قالت الأم:<br data-end="5363" data-start="5360" />
فليحضر أبوه وأمه لنتناقش معًا.</p>
<p data-end="5487" data-start="5400">في المساء أعدت الممرضة وابنتها المكان لاستقبال الضيوف، ولما حضروا كانت المفاجأة الكبرى.</p>
<p data-end="5575" data-start="5489">فقد تعرفت عليهم، إنه الرجل الذي عاد وتسلم زوجته منذ فترة، وهذه الفتاة التي كنت أربيها.</p>
<p data-end="5632" data-start="5577">وأعادتها إليهم، لقد قامت الممرضة برضاعة تلك الابنة هنا.</p>
<p data-end="5742" data-start="5634">أحست الأم الممرضة أن ابنتها ترغب في الأخرس، ولقد اقتنعت الأم بالأسرة وبشخصية الأخرس، وقالت:<br data-end="5728" data-start="5725" />
على بركة الله.</p>
<p data-end="5810" data-start="5744">وأخيرًا عرفت هذه الأسرة سعادة حقيقية، وبدأ الأخرس يعيش كل السعادة.</p><p><span style="color: red; font-size: large;">إلى هنا تنتهي رواية الأخرس والأبوان</span></p><p><span style="color: #2b00fe; font-size: large;">تمت طباعة هذا العمل عام 1998 م برقم إيداع 3989 / 98 <br /></span></p><p></p>
تعليقات
إرسال تعليق